علاقة سورية بلبنان:لا تغيير فعلياً بعد
قد يكون أمراً ايجابياً بشكل عام، عقد سورية مؤتمراً يتناول علاقاتها بلبنان بمشاركة نحو 150 «باحثاً» بهدف «التعرف الى مكامن القوة والضعف فيها تمهيداً لإحياء العلاقة وفق رؤية الانفتاح والتكامل». لكن ما سمعناه من مداخلات لا يوحي بأن هناك تغييراً فعلياً بعد في نظرة سورية الى جارها وفي أسس ومبادئ التعامل معه بـ «الجملة والمفرق»، والتي كانت السبب الرئيسي في توتر العلاقة بين البلدين منذ اغتيال رفيق الحريري.
ففي كلمتها امام المؤتمر، تستغرب نائب الرئيس السوري السيدة نجاح العطار الحديث عن «تطبيع» العلاقات الثنائية لأن التطبيع في رأيها «لا يكون بين الاخوة» لتؤكد ان سورية لا تزال «توأم لبنان» وان «بيروت هي دمشق وسورية هي لبنان» وتشدد على ان «العلاقات الطبيعية التي كانت هي التي ينبغي ان تعود وان تسود (…) كي لا نسمح للمعادين ان يعبثوا بالصخرة السورية – اللبنانية التي تسد الطريق على سيول اكثر خطراً من كل المؤامرات».
وفي كلام السيدة العطار شخصنة مقصودة للعلاقة بين دولتين وإلصاق صفات بها مثل «الأخوة» و «التوأمة» و «التماهي»، عادة ما تستخدم في حل خلاف بين شخصين او عائلتين، او حتى عشيرتين، والتقريب بينهما، بما ينتهي عادة بالتبويس و «الغفران» والقفز فوق خلافهما، كرمى لـ «الجماعة» التي تدخلت، لكنها لا تصلح لتوصيف ما يفترض ان تبنى عليه علاقة سليمة وثابتة بين نظامين يتمتع كل منهما، على تفاوت، بدستور مكتوب ومؤسسات تشريعية وقضائية، وجيش وشرطة واستخبارات وسائر اجهزة الحكم. والشخصنة هذه كانت سمة تعامل سورية مع لبنان منذ قيامه. فهو ليس دولة بل «مجموعات» و «أشخاص» يتم «التفاهم» مع كل منهم على حدة وبالأسلوب المناسب، خارج أي إطار مؤسسي جامع او قنوات رسمية تنتظم العلاقات عبرها.
ثم ان «العلاقات التي كانت» قائمة هي بالتحديد ما ينبغي عدم العودة إليه، بسبب ما شابها من خلل فاضح لا تكفي عبارات إراحة الضمير ورفع العتب والحديث عن «اخطاء» لتصحيحه وضمان عدم تكراره، ما لم يحصل تغيير جوهري في مفهوم دمشق للعلاقات مع بيروت، وعدم اختصارها بالهمّ الأمني وتكليف ضابط ما بإدارتها والبت فيها، على غرار ما حصل طوال ثلاثة عقود من الوجود العسكري السوري على الارض اللبنانية. فالتعامل ذاك لم يكن مرده «خطأ» ارتكبته القيادة السياسية السورية، بل كان قراراً واعياً ناجماً عن قناعة لدى دمشق بأن لبنان مجرد امتداد للأرض والنظام السوريين، يكفي ان يتولى أمره ضابط أمن مثلما هي الحال في بعض المحافظات الداخلية.
اما الحديث عن «المؤامرات» فهو لب النظرة السورية الى لبنان منذ استقلاله الأول والتي طبعها انعدام الثقة بالنظام الذي «اخترعه» الانتداب الفرنسي، من دون ان تأخذ في اعتبارها ان الوليد تحوّل مع الوقت كياناً تاماً تعترف به دول العالم أجمع، له دوره الرائد في المنظومتين العربية والاقليمية الأوسع، على علاتهما. هذه الريبة كانت ولا تزال تفسر التصرفات السورية في لبنان، بما في ذلك التريث في إرسال السفير المعين الى بيروت، ربما بانتظار نتائج الانتخابات بعد أقل من شهرين.