من الواضح أن أهدافاً عسكرية استراتيجية حققها “حزب الله” في الأشهر الماضية. سيطر على القصير وعشرات القرى في ريف حمص وصولاً إلى قلب المدينة، والذيابية والحسانية والسبينة وغيرها في محيط السيدة زينب في دمشق، والسفيرة جنوب شرق حلب. ومن الأوضح أن هذه النقاط الاستراتيجية تفتح الطريق لقضم المزيد من المناطق، والكثير منها محاصر بالفعل وقد لا يصمد طويلاً. لكن “حزب الله” يعرف أن هذه الإنجازات لا تعني أن “النصر الاستراتيجي” تحقق. هذه الولايات المتحدة بجبروتها، محت الجيش العراقي خلال أسبوعين لكنها خسرت أهدافها الاستراتيجية. وقبل ذلك، احتلت أفغانستان، ثم ما لبثت أن غرقت في الوحول التي سبقها إليها الاتحاد السوفياتي. والمثال الإسرائيلي ما زال حاضراً. لم يجد الجيش الأقوى في الشرق الأوسط بديلاً عن الانسحاب من جنوب لبنان وغزة. ليس “حزب الله” أقوى من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وإسرائيل. في بيئة معادية، يستطيع “حزب الله” أن يجتاح، بقدراته العملانية وكثافة نيران النظام، ما شاء أن يجتاح، لكن حين تصبح مواقع ثابتة في السفيرة والسبينة وعلى امتداد الجغرافيا السورية الشاسعة، سيصبح هو الهدف، وسيكون ثمن الاستنزاف أكبر من قدرته على التحمّل. ليس “حزب الله” غافلاً عن هذا. هو يرسم بهدوء منذ الآن “الخطة ب” لـ”تكييش” النصر والخروج من الميدان السوري، قبل أن يصبح رمالاً متحركة. ليست النبرة التهديدية لمحمد رعد إلا جزءاً من هذا. وزير الخارجية الإيراني فتح البازار. قال إن بلاده مستعدة لدعوة المقاتلين الأجانب للانسحاب، لكنه لم يقل ما الثمن الذي يطلبه. ما زال ينتظر عروض أسعار. يأتي العرض بتسريباتٍ من مطبخ “حزب الله” على لسان طرفٍ ثالث: مصدر أوروبي لا بد من التدقيق في ما إذا كان موجوداً بالفعل، كما لا بد من التدقيق في حقيقة وجود صحافي بالاسم الذي وقّع الخبر! (هل سمع أحد من قبل بصحافي عربي في بروكسل اسمه “إيليا ج. مغناير”؟) العرض بسيط: ينسحب “حزب الله” من سوريا مقابل “اتفاق دولي على محاربة الجهاديين”. في المتن تفصيل أكثر؛ يتضح أن المطلوب أن يسلّم الغرب ببقاء الأسد، والاعتراف بالحزب قوةً إقليمية شريكة في رسم خريطة النفوذ. تتردّد التسريبة عينها في إعلامٍ لبناني لا ينطق باسم الحزب، لكن للحزب طريقاً إليه، مثل المواقع القريبة من التيار العوني. ستنتشر الفكرة شيئاً فشيئاً، لتصل إلى حيث يريد لها الحزب أن تصل. لم تكتمل مهمة الحزب العسكرية في سوريا، والصفقة ليست منتظرة غداً أو بعده، لكن الحزب يعمل على المسارين معاً. حين تكتمل المهمة تكون صفقة الخروج قد نضجت، ليبني واقعاً جيوسياسياً جديداً على أساس لحظة ذروة تمدده، قبل أن يبدأ بدفع أثمان هذا التمدد. قد يفسّر هذا لماذا يبدي “حزب الله” وإيران كل هذا الحماس لانعقاد “جنيف 2″، ولماذا يحض زعيم “حزب الله” السيد حسن نصرالله خصومه اللبنانيين والسوريين على التفاوض الآن. يريد للتفاوض أن يبدأ الآن، قبل أن يبدأ استنزافه في الميدان. يعوّل الحزب، ومن ورائه إيران، على عودة قنوات التواصل مع تركيا وقطر لإدخال مكوّن سنّي في الصفقة يعوّض غياب السعودية، مستفيداً من الانشطار الذي تعيشه الجبهة المعادية للأسد منذ عزل محمد مرسي. لم تكن صفقة مخطوفي أعزاز إلا البداية. تركيا بالذات لا يمكن للصفقة أن تتم من دونها. فهي وحدها القادرة على إطالة أمد الاستنزاف، من خلال إبقاء خطوط الإمداد مفتوحة للمعارضين، تماماً كما فعل بشار الأسد مع الأميركيين في العراق. لكن للأتراك مشاكلهم ونقاط ضعفهم، وقد تكون لدى إيران قراءة بأن تركيا هي الأخرى بحاجة إلى الصفقة. اختار حزب الله توقيتاً مناسباً لدخول المعركة، بلا شك. لكن نجاحه في توقيت الخروج يبقى التحدي المصيري الأكبر..