خريطة طريق لاسقاط الدولة واستلام الحكم
الانقلابات العسكرية، او الثورات الشعبية المسلّحة، هي حركات فاشلة مسبقاً، ومستحيلة الحدوث في بلد مثل لبنان، متعدد الطوائف والمذاهب، ونظام الحكم فيه قائم على توازنات بالغة الدّقة والحساسية، فوق انه نظراً الى اهميّة موقعه الجغرافي، يبقى محط اهتمام ومتابعة وعناية دولية واقليمية، لا تسمح بحصول متغيرات جذرية في نظامه وكيانه وتعدديته، ولهذه الاسباب، وعلى الرغم من طفرة الانقلابات العسكرية التي حدثت في دول عربية قريبة منه وبعيدة وعلى الرغم من سلسلة الحروب التي وقعت على ارضه واستمرت لسنوات طويلة، بقي لبنان محافظا على نظام الحكم فيه، مع تعديلات معيّنة ادخلت على دستوره، بتوافق شبه اجماعي من عائلاته الطائفية، وقفاً للحرب وحقناً للدماء ولكن هذه الاستحالة، استحالة قلب النظام، واستلام الحكم بالقوة، جعلت الطامحين الى تغيير التوازنات القائمة، والطامعين الى الانفراد بالحكم سنداً الى نظام جديد مختلف، يفتشون عن طريقة اخرى توصلهم الى اهدافهم، لا تثير ريبة العالم، ولا قلق الداخل، فوجدوا ان الوسيلة الفضلى لتحقيق ما يخططون له، هو زعزعة النظام والاستقرار واضعاف الدولة، وتقويض المؤسسات وتجويفها، وذلك عن طريق انهاك الجيش والتجرؤ عليه، ومنعه من القيام بواجباته، واذا حاول حتى الدفاع عن نفسه، اتهم وهوجم وصّور وكأنه عدو الشعب رقم واحد، اما خططهم بالنسبة الى قوى الامن الداخلي، فادهى واشدّ اذيّة، حيث يهاجمون اجهزتها ويعتبرون انها غير قانونية وغير شرعية، وان افرادها منحازون الى مذهب معّين، وكثيراً ما يتم التعرّض للضباط والجنود ان هم حاولوا تنفيذ القانون في بعض المناطق، وحتى تكتمل الصورة بان هذا الجيش وهذه القوى الامنية، وهذه الدولة تحديداً، هي اعجز من ان تحمي المواطنين واملاكهم وارزاقهم وكراماتهم، نشهد فجأة، وفي مناطق مختلفة، عمليات خطف مواطنين، وقتل آخرين كانوا يعبّرون عن موقف سياسي، وسرقات وسطو واطلاق نار في وضح النهار، وكان أخر هذه العمليات الاجرامية التعرّض للجيش باسلحة خفيفة ومتوسطة، وقتل اربعة جنود وجرح ضابط، اما عن وجود السلاح في ايدي المواطنين، وخصوصاً في مناطق معينة، فحدّث ولا حرج، وكأن هذه المناطق اصبحت مخزناً كبيرا للسلاح من مختلف الاعيرة والاحجام، خارج الدولة والسيطرة.
* * *
هذا على الصعيد الامني والعسكري، اما على الصعيد السياسي، فالصورة لا تختلف ابداً، انما السلاح هو الذي تغيّر، حيث حلّت الكلمة والصورة والموقف والتصرف، مكان البندقية والصاروخ، والمدفع، والهدف الموازي لاسقاط الجيش والقوى الامنية، هو اسقاط الدولة ورموزها، ومؤسساتها، عن طريق وضع الافخاخ والتشويش وعدم دعم رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ومجاراته في خطواته المستعجلة لاعادة لبنان الى الخريطة العالمية، واشاعة اجواء من الهدوء في الداخل، تسمح بتحقيق اصلاحات اعلن عنها واقسم على تنفيذها، وفي الدرجة الاولى جعل عجلة الحكم تدور بانتظام ووفق الدستور والقوانين بين مؤسسات الدولة جميعها، اما بالنسبة الى رئيس الحكومة فؤاد السنيورة فانهم يستخدمون في وجهه سلاح اللسان السليط، والشائعات والاتهامات، لنقل صورة مشوهة الى العالم عن «فساد وفئوية وعمالة وتحيّز» رئيس حكومة لبنان، وكان آخر انجازاتهم في هذا المجال اعتبارهم ان السنيورة يحاول بترشحه في صيدا، الهرب الى النيابة حماية له من المحاسبة، ولا ينجو الوزراء الخصوم، ممّن هم في الحكم اليوم، ومن كانوا سابقاً، من خطة التشنيع والاتهامات والشائعات، ليرسخ في ذهن الناس ان البلد مقسوم بين ملائكة وشياطين، وان الشياطين هم الذين قالوا وجاهروا «انّا اربعتعش اذاريون» ليحلّ عليهم الغضب واللعنة.
* * *
بقي مجلس النواب، ثاني المؤسسات الاساسية في النظام اللبناني الحالي، بعد رئاسة الجمهورية، وقبل مجلس الوزراء، ولا بد من خلخلة ركائزه واسقاطه، ليكتمل ما جاء في مخطط اسقاط النظام والمؤسسات، فكان اقفاله لمدة قاربت السنتين في وجه النواب، وتحديدا نواب الاكثرية، فتوقفت عجلة النظام البرلماني عن التشريع والمراقبة والمحاسبة، وعن انتخاب رئيس للجمهورية، وعن التعيينات المنوطة بالمجلس، وعن ابداء الرأي سلبا او ايجابا في قضايا اساسية كانت تضج بها البلاد، واخذ رئيس المجلس نبيه بري على عاتقه وحيداً مهمة القرار والتفسير للدستور والقوانين واموراً عديدة خلافية، ومن المؤسف ان مجلس النواب تحوّل في مناسبات عدة من مكان مقدس للتشريع وحماية الدولة والشعب، الى منبر للدعاوة الانتخابية عن طريق بعض مشاريع القوانين، التي يعلم مقدمّوها من النواب، ويعلم ايضاً رئيس المجلس ان الموافقة عليها ستكون نتائجها كارثية على الدولة والناس، مثل قانون تحرير سعر المحروقات وخصوصاً البنزين منها، لان هذا المشروع انما هو حق يراد به باطل، وهو قدّم ليحرج نواب الاكثرية وليس ليفيد الشعب، بحيث اذا اقرّه مجلس النواب، ينسب نواب الاقلية الفضل اليهم بذلك واذا لم يقرّ، حملّوا نواب الاكثرية المسؤولية، واستغلّوا هذه النتيجة على ابواب الانتخابات القريبة، مع علمهم الكامل بان تحرير سعر المحروقات دون ايجاد البديل للخزينة، سيوقف رواتب الموظفين وقوى الجيش والامن الداخلي، ويؤجل الى ما شاء الله دفع فروقات الرواتب لالاف عائلات الموظفين، وربما انهم في ما يفعلون ويخططون يريدون الوصول الى هذه النتيجة التي تكرّس انهيار الدولة تماماً، ليسهل عليهم وضع اليد عليها، استكمالاً لانقلابهم «السلمي» على الحكم والدولة والنظام.
نتائج الانتخابات المقبلة، ستكون المعلم الاوضح لمعرفة اذا كانت خطة اسقاط الدولة واستلام الحكم قد اعطت ثمارها المرجوّة.