الحملة الهادفة لحرمان السنيورة حقه في الترشح بمدينته مستمرة
الاستئثار الانتخابي: تهمة لـ"المستقبل" وحقيقة لدى 8 آذار
فادي شامية
لم يجد احد نواب "حزب الله" من تعليق على ترشح الرئيس فؤاد السنيورة في صيدا سوى القول: "كنا نتمنى ان يتعلم فريق الاكثرية من تجربة السنوات الماضية عدم اللجوء الى فكرة الالغاء والاستئثار والهيمنة". بعبارة اخرى فان النائب المذكور كان يقول: لانه في حال فاز السنيورة بالانتخابات، فسيكون مقعدا صيدا مع فريق واحد في المدينة، ما يعني استئثارا وهيمنة والغاء للآخرّ. والحقيقة ان تهمة الاستئثار بالسلطة والسعي وراءها، هي لازمة رددها فريق الثامن من آذار منذ ما بعد حرب تموز، ضد الذين شاركوه السلطة، من خلال التحالف الرباعي، يوم كان بامكانهم الاستئثار فعلا بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري، في مقاعد عدة، بما فيها صيدا!.
الاستئثار
بداية، لا بد من التنويه بأنه، ليس في مفهوم المنافسة الانتخابية الديموقراطية، من محل للحديث عن استئثار او ايثار، لأن من حق اي فريق سياسي الحصول على اكبر عدد من المقاعد النيابية، طالما ان الجهة التي ستشغل المقعد ستمثل ارادة الناخبين الذين محضوها ثقتهم. لكن، وبما ان فريق الثامن من آذار يعتبر ان الفوز ديموقراطياً بمقعدين في مدينة واحدة يعني "الالغاء والاستئثار والهيمنة", فقد كان الاولى بهذا الفريق ان يلتزم قبل غيره بما يقول، وهذا ما يخالفه الواقع.
ففي دائرة الزهراني المجاورة لصيدا ثلاثة مقاعد، (2 للشيعة وواحد للارثوذكس)، يشغلها وعلى مدى اكثر من دورة انتخابية، ثلاثة نواب في كتلة "التنمية والتحرير"، برئاسة الرئيس نبيه بري، دون ان يعد ذلك "هيمنة" على احد! وفي المقلب المسيحي يمسك العماد ميشال عون بدائرة كسروان، بنوابها الخمسة، وبدائرة جبيل، بنوابها الثلاثة، حاذفا عائلات سياسية عريقة، دون ان يعتبر ذلك "إلغاء" لاحد! وفي دائرتي بعلبك الهرمل، وحاصبيا، يواصل تحالف "امل" "حزب الله"، وعلى مدى اكثر من دورة انتخابية فرض مرشحيه على المقاعد السنية الثلاثة في هذه المناطق، بحكم ارجحية الصوت الشيعي، غير آبه لحقيقة ان معظم الناخبين السنة هناك يصوتون لـ"تيار المستقبل"، ولم يعد ذلك "استئثاراً" من احد على احد!… اما عندما نأتي الى دائرة صيدا، فممنوع الاحتكام الى صوت اهلها في منافسة ديموقراطية، تحت طائلة اعتبار ذلك "إلغاء" واستئثارا وهيمنة"!!!.
… وإقفال البيوت السياسية
ومع التنويه مجدداً بأن المنافسة الديموقراطية لا تقف عند حدود البيوت السياسية، انطلاقا من مبدأ الاحتكام لارادة الشعب، تثبيتا لهذه البيوت او تغييرا لها، فن الحديث عن اقفال بيوت سياسية في صيدا، والمقصود بيت آل سعد، يبدو محاولة لاستعطاف الناخبين، لان المنافسة الانتخابية تاريخيا بين آل البزري وآل سعد لم تؤد الى اقفال بيت احدهما، اذ ما زال البيتان مفتوحين الى اليوم. وستكون كذلك هي الحال، في حال فاز الرئيس فؤاد السنيورة على حساب النائب اسامة سعد، لان احدا لا يستطيع منع شخصية سياسية من العمل لخدمة الناس وتاليا استعادة مركزها النيابي، في ظل الانظمة الديمقراطية.
من جهة أخرى فإن "تحريم" المس بالبيوت السياسية يناقض مبادئ الحرية والعدل والمساواة، لأنه يحد من إرادة الناخبين، ويمنع حقهم في المحاسبة والتغيير، ويفرض عليهم التوريث، ويصادر حق القوى الأخرى بالظهور.
وفوق ذلك كله، تُطرح الأسئلة الآتية: إذا كان ثمة "حُرم" أخلاقي في التعرض لـ"مكتسبات" البيوت السياسية، فهل راعى فريق الثامن من آذار هذا "الحُرم"؟! ألم تقم "سلطة" الرئيس نبيه بري على أنقاض بيت الأسعد؟! ألم يهمش صعود "حزب الله" عائلات سياسية عريقة في الجنوب والبقاع؟! ألم يشطب العماد عون عائلات كسروانية وجبيلية ومتنية مرموقة في انتخابات العام 2005؟!
… ومقارنة سريعة
إذاً، ومن خلال الأحاديث المتكررة عن الاستئثار، يتهم فريق الثامن من آذار، مرة أخرى غيره بما هو حقيقة عنده. وللتدليل أكثر، يكفي إجراء مقارنة سريعة بين الواقع الانتخابي في المناطق المؤيدة لهذا الفريق، وبين المناطق غير المؤيدة له. ففي حين تُحرق سيارات تيار "الانتماء اللبناني" بشكل شبه يومي، ويُعتدى بالضرب والخطف والترهيب لمعارضي "أمل" أو "حزب الله" في الضاحية والجنوب والبقاع، ويمنعون من حرية العمل الانتخابي، يقوم أشد المعارضين لـ"تيار المستقبل" بحملاتهم الانتخابية بحرية كاملة، في صيدا، وفي بيروت، وفي الشمال، وفي البقاع الغربي! وفي حين يغضب الشيخ ماهر حمود "لله" ولـ"حزبه"، فيشتم من صيدا "تيار المستقبل" وحلفاءه، من دون أن يرد عليه أحد، لم يتحمل تحالف "أمل" ـ "حزب الله" صوت مفتي صور السيد علي الأمين المعارض بـ"لباقة"، فخلعوه من منصبه ومكتبه، بقوة السلاح! وفي حين "تُفبرك" الروايات المضحكة والسمجة عن النائب سعد الحريري وباقي حلفائه، في الصحف والإذاعات والمواقع الصفراء، من دون أن تصدر كلمة منه في مهاجمة الصحافة، يضيق صدر السيد حسن نصرالله عن قراءة "تحليل صحافي" موضوعه كلام قاله نصرالله نفسه، فيتهم ذلك الصحافي العريق بـ"الخبث"، فيما لا يترك حليفه ميشال عون من مناسبة من دون أن "يُتحفنا" ببعض "المسبّات" للإعلام اللبناني… ولو استرسلنا في المقارنة لضاق المقام، ولكن بقيت محطتان ذات دلالة في صيدا.
صيدا تكشف زيف ادعاءاتهم!
في تموز 2002 توفي النائب مصطفى سعد. كان قرار الرئيس الشهيد رفيق الحريري وشقيقته بهية متفقاً على ضرورة عدم خوض منافسة انتخابية، مراعاة لمكانة الفقيد، و"بيته السياسي"، واحتراماً لمزاج الناس في صيدا، (على نقيض ما فعل العماد ميشال عون، الذي أورث نفسه مقعد شهيد الكتائب ولبنان بيار أمين الجميّل في آب 2007). وتكرّر الأمر نفسه في انتخابات العام 2005.
وفي أيار 2004 طرح الرئيس الشهيد رفيق الحريري مشروع "توافق" في الانتخابات البلدية، على حسابه، وبما لا يتناسب مع حجم تيار "المستقبل" في المدينة، فلم يرض النائب أسامة سعد وحليفه المستجد يومها عبدالرحمن البزري إلا المعركة، فخسر تحالف الحريري ـ "الجماعة الإسلامية"، واستأثر تحالف سعد ـ البزري بكامل المقاعد البلدية (إلا واحداً)، وذلك نتيجة أخطاء إنتخابية، وعمل الأجهزة الأمنية اللبنانية ـ السورية ضد الرئيس الحريري.
والمفارقة هنا أن التوافق في أيار 2004 كان ضد الديموقراطية! أما اليوم فإن إجراء المنافسة الانتخابية يعني "الاستئثار" والمس بـ"بيوت سياسية"، باعتبار أن "صيدا يجب أن تكون للكل"!
والحقيقة أن ذلك كله ليس إلا مجرد محاولات لحرمان الرئيس فؤاد السنيورة حقه في الترشح في مدينته… وتالياً حرمان الناس حقهم في اختيار من يريدون لتمثيلهم في البرلمان!