تتعاطى قوى 14 آذار حتى الآن مع هذا الاستحقاق بصمت لا تخرقه الّا مواقف لا تخرج عن الاطار المبدئي، القائل بضرورة اجراء الانتخابات في موعدها، ورفض الفراغ. ولكن، إلى جانب هذا الموقف المبدئي، لم تتوصل هذه القوى بعد الى تصور واحد حول التمسك بنصاب جلسة الانتخاب، كذلك لم تتوصل الى اتفاق على اسم مرشح واحد لخوض هذا الاستحقاق، وهذا أمر طبيعي ناتج عن تنافس بين عدد من الأسماء في نادي المرشحين.
يسود انطباع داخل أروقة 14 آذار أنّ حسم الاتفاق على نصاب الجلسة الرئاسية بات أمراً ضرورياً، لأنّ الاستحقاق إقترب. ولا يعني قرار “حزب الله” بتعطيل الانتخابات الرئاسية، أن تدخل قوى 14 آذار في حال ارتخاء، بل على العكس يُفترض بهذه القوى أن تتفق على أجندة رئاسية متكاملة، سواء استطاع “الحزب” تعطيل الانتخابات أو لم يستطع.
في هذا الإطار، تدور مشاورات كثيفة بين “القوات اللبنانية” وتيار “المستقبل”، كذلك لا يغيب التشاور مع حزب “الكتائب”، وبات من المعروف أنّ وجهة نظر “القوات” تتلخص في الدعوة الى انتخاب الرئيس بالنصف زائداً واحداً، لأسباب عدة أبرزها، أنّ الدستور ينصّ بطريقة غير ملتبسة على هذا النصاب، ولأنه (النصاب) يشكل ضماناً لانتخاب رئيس مسيحي له قاعدة شعبية، وليس رئيس تسوية يمكن أن ينتجه نصاب الثلثين، الذي يُعطّل انعقاد جلسة الانتخاب، ويفتح الباب أمام بازار التفاوض، تاركاً المجال واسعاً لإقصاء “الأقوياء”، وهبوط “التسوويّين” بالمظلة في اللحظة الأخيرة.
لهذا تتجه “القوات اللبنانية” الى تشاور واسع مع الحلفاء، للاتفاق على أجندة رئاسية محدّدة المعالم، تريد لها “القوات” أن تضع في أولى أولوياتها، استعادة موقع رئاسة الجمهورية، والتعامل معه كأول موقع دستوري في البلاد لا زال يحتفظ بصلاحيات مهمة جداً، وهذا يعني عدم ترك الرئاسة عرضة لتسوية في اللحظة الأخيرة، عبر اختيار اسم يُشعر المسيحيين مرة جديدة بالإحباط.
التشاور بين “القوات” و”المستقبل” مستمرّ في هذا الموضوع، خصوصاً بالنسبة الى القراءة المسبقة لموقف “حزب الله”، فهل سيقبل الحزب بنصاب النصف زائداً واحداً، مع ما يمكن أن يؤدّي اليه من ارباك في ساحته، خصوصاً في علاقته بكل من المرشحَين رئيس تكتل “التغيير والاصلاح” النائب ميشال عون ورئيس تيار “المردة” النائب سليمان فرنجية، وهل سيعمد “حزب الله” الى اقفال المجلس النيابي في وجه جلسة نصابها النصف زائداً واحداً؟ أم أنه سيقبل بها اذا تمكّن من التأثير على رئيس “جبهة النضال الوطني” النائب وليد جنبلاط، وما هي الخيارات الأخرى؟
من المفيد في قضية النصف زائداً واحداً استطلاع العماد عون، الذي لا مصلحة له نظرياً في نصاب الثلثين، لأنّ هذا النصاب يعني تضاؤل فرصه الرئاسية الى الحد الأدنى. لكنّ السؤال في حال وافق عون على مبدأ نصاب الثلثين كما فعل فرنجية، مرتبط بتأثير ذلك على علاقته بـ”حزب الله”، وبطبيعة الوعد والالتزام الرئاسي الذي لم يفِ به الحزب في الدوحة، والذي أدى الى ضياع الفرصة الرئاسية، بعد كل الأمل الذي أدخله السابع من أيار، في إمكان انتقال عون من الرابية الى بعبدا.
يبدو هذا النقاش حتى الآن نظرياً الى حدّ بعيد، لأنّ الكلام على تأليف الحكومة لم يُطوَ بعد فعلياً، ولكن من الآن وحتى موعد الاستحقاق الرئاسي، فإنّ الاتفاق على تفاصيل جلسة الانتخاب داخل كل فريق يبدو استحقاقاً حتمياً، وليس بعيداً أن تحصل داخل كلّ فريق من الفريقين، خصوصاً في صفوف فريق 8 آذار تمايزات جوهرية في التعاطي مع هذا الاستحقاق.