#adsense

الإرهاب يضرب أهم حصون “الممانعة”

حجم الخط

 

كان المشهد بالأمس مرعباً، جثث توزعت على الطرق وأشلاء تناثرت على الحيطان، وحده صوت الموت كان حاضراً وناشراً حقده على بقعة من لبنان، الاستنكارات الكلاميّة تهافتت والدعوات الى الوحدة تعاظمت، جثث ملقاة على جوانب الطرق كانت تنظر بلا عيون الى وجوه مستنكرة وتسمع أصوات أنين جرحى كانوا يسألون عن يوم الخلاص، لكن لم يكن هناك أحياء يسمعون ولا يفقهون لغة الموت، وحده الله كان حاضراً دائماً على ألسنة الجميع ووحده الدعاء كان الوسيلة للتعبير عن وحدة اللبنانيين، “يا نار كوني برداً وسلاماً عليهم”.

مرّة جديدة كان لبنان بالأمس على موعد مع تفجيرَين جديدين طاولا الأبرياء، ووضعا لبنان الشعبي والرسمي مجدداً أمام أخطار كبيرة باتت تتهدد الوطن ومصير أبنائه في حال بقيت الأمور سائرة بالاتجاه نفسه، الجميع على كلمة واحدة “لا مفرّ من الحوار”، لكن عن أي حوار يتكلمون؟ ومَن المستعد للتنازل عن بعض مصالحه في سبيل الخروج من مأزق الموت الذي بات يؤرق مضاجع اللبنانيين كافة بكل ألوانهم ومذاهبهم ويضرب لهم في كل مرّة موعداً جديداً تارة عبر سيارة مفخخة وطوراً من خلال انتحاري يُطالب بيان لمنظمته بـ”إخراج حزب الله من سوريا؟”.

“حزب الله” وإيران هما المعنيّان مباشرة بهذا التفجير كونه استهدف أهم حصونهما الأمنية، سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إيران البلد الذي يوزّع المهام القتالية في سوريا، بيئة الحزب تؤكد أنها المستهدفة، معظم أهالي الضاحية خرجوا من منازلهم لتفقد الحال والأقارب، صرخات تدعو الى الثأر وأخرى الى وأد الفتنة، نجول بينهم لنستمع الى آرائهم، فهم البيئة الأساسية المعنية بكل التفاصيل التي تقع ضمن محيطها، بعضهم فضّل في بداية الأمر الانتظار ريثما تنجلي الأمور، والبعض الآخر كان يتحدث عن القلمون في إشارة منهم إلى أن التفجير كان رسالة للحزب تدعوه للتفكير مليّاً قبل اندلاع المعركة هناك بشكل فعليّ.

في قلب الضاحية هدوء لم تكن تخرقه سوى صيحات التكبير لشبان وقفوا عند مدخل أحد المقاهي عند أطراف حارة حريك ليشاهدوا النقل المباشر من مكان الانفجار وذلك بعد كل عملية يُكشف من خلالها عن أشلاء جديدة لشهداء كانوا بالأمس يعيشون في وطن الضياع. في الجهة المقابلة، توزّعت عناصر أمن “حزب الله” على مداخل الضاحية الجنوبية مجدداً خوفاً من سيارة مفخّخة أخرى، الإرباك كان واضحاً فلم يعد هناك من طريقة إلا وجرّبوها، لكن يسأل أحدهم: ماذا نستطيع أن نفعل إذا كنا نواجه عدواً مجهولاً يريد أن يموت هو أيضاً؟.

من المؤكد أن داخل بيئة الحزب هناك من زادهم تفجير السفارة الإيرانية إصراراً على مواصلة الحرب في سوريا حتّى “النصر” المحتّم، وأكثر من ذلك هناك شُبّان كانوا يبدون رغبتهم في الذهاب للقتال في سوريا لدرجة أن بعضهم تمنّى لو أن قيادة “حزب الله” تسمح له بالقيام بعملية “استشهادية” ضد “التكفيريين”. لكن هناك فئة وإن بشكل غير معلن كانت تدعو ضمناً الى إنهاء حالة التدخل في سوريا، وفي رأيها أن الدم لن يجر سوى الدم والحقد يزداد ضد الشيعة يوماً بعد يوم ويُغرقهم في مذهبيتهم، ويسأل أحد المؤيدين لفكرة الانسحاب من الأراضي السورية، “أليس من الأفضل للحزب أن ينشر عناصره كحرس للحدود بين البلدين بالتعاون مع القوى الشرعية على أن يُغرقنا في بحور من الدماء؟.

بالامس كان الناس يلملمون قتلاهم ويوزعون جرحاهم على المستشفيات، بيئة “حزب الله” وجمهوره كانوا يصرخون “نحن المستهدفون”، بعضهم يعرف سبب استهدافهم والبعض الآخر لا يعرفه أو يتجاهله، فئة أخرى لا تنتمي الى هذه البيئة كانت تتمنى لو يعلن السيد حسن نصرالله انتهاء تدخل الحزب في سوريا لتنتهي كل أسباب القتل، في ظل ذلك كانت المشاهد التي تُنقل مباشرة عبر شاشات التلفزة الأكثر صدقاً وتعبيراً عن حال الناس وهول الفاجعة في وقت كثرت فيه التحليلات والتكهنات حول الطريقة التي وقع بها الانفجار، وما زاد في الطين بلّة هو الغياب الواضح للحظات التجلي والوحدة التي عاشها اللبنانيون لحظة وقوع المصيبة لتحل مكانها لغة التعصب والتخوين والاتهامات المتبادلة ولنقطع الشك باليقين أننا فعلاً لبنانيون.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل