عندما يصير التوافق من الاسمنت!
ليس في صلب اتفاق الطائف، ولا في نصه، ولا في روحه، ولا في انشائه، ولا في سرده، ولا في بنوده، ولا في مضامينه، ولا في استعاراته، ولا في بيانه، ولا في ايحاءاته، ولا في مجازاته، ولا في الف بائه شيء يسمى "الثلث المعطل".
واتفاق الطائف الذي توصلنا اليه قبل عقدين من الزمن تقريبا، وتشكلت في ظله مجموعة متعاقبة من الحكومات، لم تقفز منه مفاجأة "الثلث المعطل" في يوم من الايام، لكنها قفزت اليه او عليه قبل ثلاثة اعوام، وقد تؤدي الى نسفه من اساسه، اذا باتت عرفا يكرّس هدم روح الديموقراطية، ووضع شاهد على قبرها يسمى التوافق او الوفاق في النظام الديموقراطي!
و"الثلث المعطل" بدعة يدل كلامها على معناها اي "التعطيل". ولأن التعطيل فعل سلبي لا يريده اللبنانيون، فقد تم اعطاؤه اسما "تجميليا" هو "الثلث الضامن" الذي يوحي انه ليس الا احترازا لمنع قيام الظلم الافتراضي طبعا، الذي اخترعه البعض لغاية في نفس يعقوب.
❒ ❒ ❒
الرئيس نبيه بري سيد العارفين وسيد القارئين وسيد الانشائيين وسيد المدققين في النصوص والبيان. عندما يقرن الخطابة بالشعر يبدو قابضا على روح سيبويه وممسكا بتلابيب نفطويه، لذلك فان العجب العجاب ان يقف في الجماهير الجنوبية، وقد جاءت اليه شاكرة هذا الفيض الفياض من افتتاح المشاريع الحياتية والانمائية، ليقول ما ليس في النص او في الروح، من ان ذلك "الثلث المعطل" موجود في صلب اتفاق الطائف وروحه وهو جزء من الدستور، في حين ان في وسع اي مواطن في هذا البلد السعيد ان يعود الى كتاب الدستور وينقّب فيه وخصوصا في المادة 65 منه ليجد ان هناك 14 موضوعا نص عليها الاتفاق وسماها وهي تحتاج الى ثلثي اصوات الحكومة، وهذا لعمري وعمر القارئين والسامعين لا يمكن ان يُسمى الثلث المعطل!
نعم تجربة "الثلث المعطل" ليست ناضحة يا دولة الرئيس، وهي غريبة كليا عن الدستور الذي هو اتفاق الطائف، والدليل على هذا الامر الذي لا يحتاج الى الادلة ما نحن فيه من المآسي و"التعتير" بما يعني ذلك التعطيل الطويل والمتمادي للسلطة التنفيذية، وخصوصا خصوصا بعدما وصل الاستنساب في استعمال هذا الثلث الى درجة اشتراط الاجماع حتى على تعيين موظف هنا او حاجب هناك، وحتى على طلوع النهار وغياب الشمس، وعلى الفرق بين الخيط الابيض من الاسود.
واذا كانت وثيقة الوفاق الوطني قد نصت على قيام حكومة وحدة وطنية، فالواضح تماما ما يظهر في النص الذي حدد تماما ان اول حكومة بعد الطائف تكون حكومة وحدة وقد انيطت بها مسؤولية تطبيق الخطة الامنية، وجمع سلاح الميليشيات وبسط سيادة الدولة على كل اراضيها، اما بقية الحكومات فعلى قاعدة الديموقراطية اي حكم الاكثرية وإن مطعما بمشاركة لا تصل الى "الثلث المعطل".
ويعرف الرئيس بري كسياسي وكمحام وكرئيس لمجلس النواب منذ زمن، ان ليس هناك شيء يقبل اشتراط التوافق في الديموقراطية، لان هذه تعني حكم الاكثرية. وتعني ايضا سريان مبدأ التبادل على عملية تكوين هذه الاكثرية عبر الانتخابات الدورية وتجديد العقد التمثيلي العام.
ولان التوافق يعني الاجماع غالبا، ولانه مستحيل حتى داخل الحزب الواحد والعائلة الواحدة، فانه يصبح منطلقا للتعطيل، ولعل اكبر دليل على هذا الامر فشل الجامعة العربية التي تشترط ان تؤخذ قراراتها بالاجماع، والاجماع مستحيل بين العرب وبين اللبنانيين، وهو مدخل ايضا الى تدمير روح المنافسة على تقديم الاداء الافضل.
❒ ❒ ❒
ان الرئيس نبيه بري يعرف ايضا وايضا، ان الدعوة الى ترسيخ مبدأ "الثلث المعطل" انما تشكل اسقاطا لروح الانتخابات النيابية، واجهاضا لمعنى دورية التمثيل العام، لانها تلغي مفاعيل الديموقراطية التي تقوم على اساس حكم الاكثرية. فلماذا كل هذا الدوي الآن ولماذا الانتخابات اذا كانت الديموقراطية ستتحول "جبلة من الباطون" تضع الاكثرية والاقلية دائما في قالب واحد هو التوافق الضروري على امور حددها الدستور والمعطّل في كل شيء آخر، ولنا من مسار عمل الحكومة في الاعوام الثلاثة الماضية خير مثال على ذلك؟
❒ ❒ ❒
أوليس غريبا لا بل مثيرا للدهشة، ان توافق الاكثرية وجماعة 14 آذار على مبدأ المشاركة في الحكومة بعد الانتخابات، ولكن من دون الثلث المعطل فيرد جماعة 8 آذار غاضبين ان من الضروري تكريس "الثلث المعطل" رغم ان التعطيل ازهق ويزهق روح الطائف والوطن؟