#dfp #adsense

حصان طروادة 2!

حجم الخط

حصان طروادة 2!

هذه المرّة لم يتفاجأ أحد من جمهور 14 آذار وهو يستمع إلى "الدرر والجواهر" المرسلة من فم رئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط، والمسرّبة عمداً، على الأقل ونحن على مشارف انتخابات العام 2009 بتنا نفهم جيداً ما الذي حدث في انتخابات العام 2005، ومن كان مستفيداً أولاً وساعياً بشدّة إلى ما سميّ بالحلف الرباعي، ومن كان مستفيداً حقيقياً من قانون العام 2000 الانتخابي، ومن الذي صنع تسونامي ميشال عون يومها!!

ولن نتفاجأ بعد بأي كلام قد يصدر عن جنبلاط، ولا حتى نعتب عليه، فهو لا يغيّر بندقيته من كتف إلى كتف، فالرجل لا يحمل بندقية أصلاً، بل هو يبدّل مبادءه مثلما يبدّل قمصانه!! وإن كان الجنرال ميشال عون في معظم تصريحاته لا يقول إلا "هلوساته" الشخصية، لكن على ما يبدو أن الحقيقة الوحيدة التي يقولها هي عندما يتحدّث عن وليد جنبلاط!! بكلّ الأحوال نبارك للجنرال بحليف حلفائه المقبل، والجسر الذي يعبر على كلامه دائماً ليفوز بالانتخابات، وكأنه حليفه المختبئ في صورة الخصم للتمويه الانتخابي!!

قيادات 14 آذار حرّة في أسلوب تقبلها وتعاطيها مع وليد بك، ولأن ثمة مسافة بين جمهور 14 آذار الـ 2005 الذي سبق قياداته يومها، وبين جمهور 14 آذار الـ2009 وهذه القيادات، لا بد لنا من القول أن كلام جنبلاط وإن كان يأتي في التوقيت السيئ، وإن كان رئيس كتلة المستقبل النائب سعد الحريري يستطيع أن يغضّ النظر عن هذا الكلام لخصوصية لحظة إنسانية ما، وإن كان رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية أذكى من أن يُستدرج إلى ردود وتفنيدات لا طائل منها، وستفسد الدور المسيحي المتقدم الذي باتت قيادات 14 آذار تتحمّل أعباءه، بعدما انكشفت عورات الجنرال ميشال عون. لذا نتمنّى أن يكون الباقون بغض نظر الحريري وبذكاء جعجع، فلا ينجح غزل حزب الله المقصود انتخابياً وفي هذا التوقيت بالذات باستدراج وليد جنبلاط إلى "الفخ" نفسه الذي أسقطوا فيه مسيحيي 14 آذار عام 2005 ولمصلحة ميشال عون. وهاهم مجدداً ومن نقطة الضعف نفسها، وعبر وليد جنبلاط تحديداً الذي على ما يبدو أنهم يعتبرونه في الانتخابات "حصان طروادة 2" ينصبون الفخّ نفسه لشرذمة مسيحيي 14 آذار، ولزعزعة الصف المسيحي انتخابياً ومجدداً لمصلحة ميشال عون المتدهور شعبياً!!

لم يطلب جمهور 14 آذار اعتذاراً من وليد جنبلاط حتى يقول "لن أعتذر" ولا هم يريدون منه اعتذاراً أصلاً ولا "تبريراً" حتى يبرر ما قاله، وهم أيضاً لن يحاسبوه على ما قاله، فهو الآن في مرحلة اللاتوازن الانتخابي، ويتحدّث تحت وطأة مقعد بعبدا!! قد يكون ما يشعر به جمهور 14 آذار على وجه الحقيقة تجاه وليد جنبلاط، هو الحزن.. فما يسمّيه حزب الله ـ على لسان النائب محمد رعد الذي وصفه جنبلاط يوماً بالـ"الحيط" – مراجعة لمواقف سياسية، ليس أكثر من انقلاب من جنبلاط على نفسه، وعلى دماء كمال جنبلاط، وعلى دماء رفيق الحريري، وما بينهما دماء سمير قصير تحديداً ودماء ربيع بيروت وربيع دمشق، وعلى دماء جبران تويني!!

وما يشعر به جمهور 14 آذار تجاه كلام وليد جنبلاط ليس خيانة، بل "سعادة"، فسقفه العالي مرهق، فانفعالاته وتوتره وقلقه الدائم من فكرة اغتياله – مع أن جميع قيادات 14 آذار عرضة لهذا التهديد – ربما حان الوقت للتخفّف من ثقلها، على الأقل سيكون ضمير هذا الجمهور مرتاحاً عندما يرفض الاستماع مجدداً إلى كلام جنبلاط وتصديقه أو أن يعتبره من كبار قياداتها!!

ومن حق وليد جنبلاط أن يختار موقعه السياسي الذي يريده، ولكن حان الوقت ليطرح السؤال على نفسه في هذه اللحظة المفصلية من مسيرته السياسية، لأنه لا بدّ مقبل بعد عام أو عامين على تبديل جديد في مواقفه:من سيصدّقني!! هل سيصدّقه جمهور 8 آذار الذي يكنّ له عداء فوق العادة، وهل سيقبل به جمهور 14 آذار إن حدّثهم عن المصالحة الوطنية!! سيربح مقعداً في بعبدا، ويخسر جمهور 14 آذار ولن يربح أبداً جمهور 8 آذار، في حسابات السياسة هذه من أسوأ الحسابات "الخاسرة"!!

فهل مَن يسعى إلى المصالحة، يضرب حلفاءه في توقيت مصيري ليصالح أخصامه؟! المصداقية "مقتل" أي ممارس للسياسة، فكيف بالزعامة؟! ولأن جمهور 14 آذار ليس قطيعاً يرعى في "حقلة" يُهشّ عليه بعصا، فقد ثبت على مواقفه حتى بعد 7 أيار، وسيبقى ملتزماً بمواقفه، أما وليد بك فلن نستغرب إن شاهدناه يرتدي عباءة كميشال عون، أو محاضراً لخالد مشعل في طهران، أو يحدّثنا عن الممانعة في مؤتمر ما في الدوحة، أو متقوقعاً متراجعاً عن ربيع بيروت إلى خريف الشمولية التي هاجمها طويلاً!!

فقط نتمنّى عليه أمراً واحداً، أن يحترم مشاعر جمهور 14 آذار فيفاجئنا بأن تصل "مواصيل" جواهر تعليقاته مثلاً إلى "المحكمة الدولية"، أو أن يفاجئنا بحرصه على المصالحة الوطنية فيتبرّع بالحديث عن "شطف" دماء رفيق الحريري من ذاكرتنا ثم دماء كلّ الشهداء!! يتصالح جنبلاط مع مَن سخروا منه طويلاً وأقل ما قالوه فيه أنه "موتور"، أما جمهور 14 آذار فيحترم سنوات ثلاث قال لنا فيها: أنه يقفها في معركة سيادة واستقلال لبنان، ثم انتقل فجأة في زمن الانتخابات إلى معركة أكبروأهمّ، معركة الفوز بقضاء بعبدا!!

لا اعتذار يمحو ما يقوله جنبلاط هذه الأيام، وجمهور 14 آذار "يسامح ولا ينسى" ولكن "يُحاسب" بديموقراطية ومسالمة على طريقته، ونتمنّى على وزرائه وفعاليات الحزب التقدمي الاشتراكي ألاّ يحاولوا تصحيحاً أو توضيحاً، ونتمنّى على مروان حمادة تحديداً "الشهيد الحيّ"، أن لا يحاول "لملمة" ما يمكن لملمته من دمائه أولاً، ومن أشلاء سمير قصير ثانياً وبقايا جبران تويني ثالثاً، ومن جرأة تضحية الشهيد رفيق الحريري الذي دفع ثمن ثباته على قناعته وإيمانه بلبنان "حياته"، لقد وصلتنا رسالة وليد جنبلاط واضحة، بل شديدة الوضوح، إنما نودّ سؤاله: لماذا بقي في بيروت في 7 أيار؟ وهل كان يتوقع أو يتمنّى مثلاً مجزرة يذهب ضحيتها "ألف شاب من عكار" في معركة غير متكافئة بين العزّل والمدججين بالصواريخ!!

في 14 آذار الـ2005 رفع جنبلاط صوته عالياً مطالباً بالحفاظ على الطائف، اليوم يتجه مسرعاً وعلى نحو مفاجىء صوب من يريدون وأد الطائف إلى الأبد، بعدما اغتيل صانعه وعرّابه!! رحم الله كمال جنبلاط، الآن نعرف كيف يستقبل الرجال أقدارهم، وكيف يغتال الرجال، لقد اغتيل لأنه لم يفكّر يوماً بتغيير مبادئه والميل مع رياح المنطقة مهما كانت عاتية، وعندما دعاه الرئيس الراحل أنور السادات للبقاء في مصر محذراً من أنه هدف للاغتيال، اختار كمال جنبلاط العودة إلى وطنه وجبله وهو مدرك وواثق من أنه ذاهب إلى حتفه!!

المصدر:
الشرق

خبر عاجل