«تسريبة» وجود قاضٍ رفيع بانفجار «الشيفروليه» تحذير لـ «جسم» المحكمة الدولية بأن دوره … آتٍ؟ لأن في لبنان «الحدَث يأكل الحدَث»، فان دخان «حريق الشياح» الذي اشتعل بعد نحو 48 ساعة على اغتيال الرائد في فرع المعلومات في قوى الامن الداخلي وسام عيد (ومرافقه وخمسة مدنيين) كاد ان يحجب دلالات «جريمة الشيفروليه» التي اعتُبرت ثاني اكبر عملية من حيث زنة العبوة بعد «طن المتفجرات» (اكثر من 1200 كلغ) التي استُخدمت في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 فبراير 2005.
في الشكل، جاء اغتيال الرائد عيد «العقل المعلوماتي» في فرع المعلومات رئيس جهاز التنصت فيه، في السياق نفسه لمسلسل الاستهدافات ذات الطبيعة «الأمنية» البحتة الذي انطلق في «عهد الفراغ الرئاسي»، وبدأ بـاغتيال «العقل العملاني» في الجيش اللبناني مدير العمليات اللواء فرنسوا الحاج (في 12 ديسمبر)، ثم استهداف سيارة تابعة لقوة «اليونيفيل» المعززة في الجنوب في الرميلة (مدخل صيدا) في 8 يناير (ادى لجرح عنصرين من الكتيبة الايرلندية) قبل ان تُستهدف «سيارة سبّاقة» تابعة للسفارة الاميركية في بيروت في محلة الدورة (شمال بيروت) ما ادى الى مقتل 3 اشخاص وجرح نحو 26 آخرين ونجاة مَن كان في السيارة «الأميركية» المصفّحة.
ولاحظت دوائر تتابع عن كثب مسلسل الاغتيالات والتفجيرات في لبنان لـ «الراي» ان ثلاث من العمليات الأربع الأخيرة شكّلت «نقلة نوعية» في الاستهدافات، ولا سيما على مستوى انفجارات بعبدا (اغتيال اللواء الحاج) والدورة و«الشيفروليه» (تفجير الرائد عيد)، في حين ان استهداف «اليونيفيل» سبق ان حصل مرتين في 24 يونيو 2007 ثم في 17 يوليو من السنة نفسها.
على ان هذه الدوائر، لاحظت ان العبوة التي استهدفت سيارة «اليونيفيل» في الرميلة قبل 25 يوماً، وُضعت على بُعد أمتار قليلة من المكان الذي تمت فيه محاولة اغتيال الرجل الثاني في فرع المعلومات المقدم سمير شحادة في 5 سبتمبر 2006 (سقط 4 عسكريين) الذي نجا بأعجوبة وغادر بعدها الى كندا حيث يتردد انه موجود في إطار برنامج حماية الشهود في جريمة اغتيال الرئيس الحريري الذي كان يتابع شحادة تفاصيلها، مع العلم انه هو الذي اوقف «الجنرالات الاربعة» نهاية اغسطس 2005.
وفي هذا الإطار، اعتبرت هذه الدوائر لـ «الراي» ان «جغرافيا» العملية التي استهدفت «اليونيفيل» في الرميلة أساسية، اذ انها بدت بمثابة «رسالة مشفّرة» مرّر عبرها «القاتل المتسلسل» ان «هدفه التالي» قديم ذ جديد وهو فرع المعلومات في قوى الامن الداخلي الذي سقط الضابط الأبرز فيه النقيب وسام عيد (رقي الى رائد بعد استشهاده) بعد 17 يوماً.
واعتبرت هذه الدوائر ان استهداف عيد الذي كان يضطلع بدور محوري في كشف ملابسات اغتيال الحريري انطلاقاً من دوره كضابط ارتباط مع لجنة التحقيق الدولية في هذه الجريمة، جاء ليصيب «عصفوريْن بحجر واحد». الاول إرباك الشق اللبناني من التحقيق والذي كان الشهيد عيد حقق فيه تقدماً كبيراً سواء لجهة دوره المركزي في تحليل الاتصالات الخليوية وكشف الخطوط الستة المدفوعة مسبقاً التي استُخدمت قبيل جريمة «14 فبراير» وبعيدها ثم أُتلفت، او «الاختراقات» الأخرى الذي كان في طريقه الى اللجنة الدولية لإطلاعها عليها.
اما «العصفور» الثاني، فكان توجيه «رسالة مباشرة» الى الشهود الذين يفترض ان يدلوا بدلوهم امام المحكمة الدولية بان «لا غطاء فوق رأس أحد».
وتوقفت الدوائر المراقبة في حديثها لـ «الراي» عند تزامُن اغتيال عيد في التوقيت مع تسريع وتيرة إنشاء المحكمة الدولية. على ان هذه الدوائر «توجّست» من عنصر مرّ من دون التوقف عنده تحت وطأة هول «جريمة الشيفروليه»، وهو ما تمّ «تسريبه» عبر وسائل الإعلام بعيد الانفجار لجهة الحديث عن احتمال وجود قاضٍ رفيع إما برفقة الشهيد عيد او في سيارة أخرى كانت في المكان.
وقالت الدوائر ان هذه «التسريبة» يصعب جداً ان تكون «بريئة» ويرجّح انها كانت «رسالة مشفّرة» ثانية بأن «المرحلة التالية» في مسلسل «الحرب المعلنة» على المحكمة الدولية سيكون باستهداف «جسمها القضائي» وتحديداً اللبناني منه المكوّن من اربعة قضاة تمّ اختيارهم من بان كي مون (من أصل 12 مرشحاً) ولكن أسماءهم بقيت طيّ الكتمان «لأسباب أمنية».
وترى هذه الدوائر ان اي مساس بالقضاة اللبنانيين في المحكمة الدولية من شأنه ان يشكّل «ضربة قاسية» ورسالة ترهيب «قاتلة» لأيّ قاض «يتجرأ» على «الجلوس» في المحكمة التي ينص نظامها على ضرورة وجود القضاة اللبنانيين.
ولعلّ هذا ما يفسّر بحسب هذه الدوائر ما نُقل امس في بيروت عن دوائر امنية اجنبية حذّرت (لصحيفة «النهار») من «عمليات اغتيال قد تطول قضاة في المحكمة الدولية التي ستشكل خلال مارس المقبل، اضافة الى الطاقم الذي سيعمل معها في هولندا وفي لبنان».
ومعلوم ان تشكيل المحكمة الدولية كان حقّق تقدماً في الأسابيع الماضية في أربعة مجالات: اختيار مقرها، والمدّعون العامون، التمويل، والانتقال المنسق من نشاطات لجنة التحقيق الدولية الى نشاطات مكتب المدعي العام.
وكان مستشار الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون القانونية نيكولا ميشيل قد اعلن ان المحكمة اصبحت «أمراً لا يمكن التراجع عنه» متحدثاً عن «تقدم حقيقي» قد تم انجازه نحو استكمال المتطلبات اللازمة كي بان كي مون من انشاء المحكمة في «الوقت المناسب» وفقاً لقرار مجلس الأمن الرقم 1757 .