#dfp #adsense

تساؤلات حائرة لماروني قلق

حجم الخط

تساؤلات حائرة لماروني قلق

هشام بو ناصيف

 

في المبدأ، لا شيء يربط بين عناوين ثلاثة نشرت على صفحات مختلفة من عدد النهار الصادر يوم السبت 19 كانون الثاني 2008 . الاول للزميلة هيام القصيفي التي كتبت “فيما ينشغل المسيحيون بخلافاتهم الداخلية، القاعدة تتمدد شمالا والحدود البقاعية فالتة”. وفي مقال القصيفي تفاصيل مقلقة عن استمرار تمدد الانتشار الاصولي الجهادي في لبنان، وذلك  بحجم “يتعدى الاطار المحلي او حتى السوري” وفقا للكاتبة. العنوان الثاني تغطية وقائع المؤتمر الصحافي للوزير سليمان فرنجية من بنشعي: “فرنجية: مع التهدئة…ولكن اذا تكلمت بكركي بالسياسة فسنرد”. وفي المؤتمر الذي جاء بعد التصريح المسيء للوزير فرنجية حول بكركي تنويعة من المواقف المكررة للوزير السابق  من مستوى “بتسبنا بكركي، بدنا نرد” واذا “بينزلو تظاهرات، منزل تظاهرات”. واخيرا رسالة الى الشهيد الدكتور الياس الزايك، احد مقاتلي القوات اللبنانية الاوائل، بقلم قائدها السابق فؤاد أبو ناضر وفيها اشارة الى واحدة من محطات الحرب اللبنانية. استذكر أبو ناضر وقائع هجوم فلسطيني على منطقة المرفأ في ايار1976 طلب بعده بشير الجميل من الزايك قيادة هجوم مضاد باعتباره  – اي الزايك – اخر عضو من فرقة الـ”بي.جين” لا يزال وافقا “حيث كان بقية عناصر الفرقة اما جريحا او قتيلا” حسبما جاء في الرسالة. لاشيء يربط في الشكل بين العناوين الثلاثة، بيد انها متشابكة في الخلاصات والافكار التي تثيرها.
 
لا يذكر الكثيرون الـ”بي.جين”، فلا بأس ببعض التذكير عن فرقة الكوماندوس الكتائبي التي برزت مطلع الحرب كرأس حربة القوى المسيحية المسلحة، واتخذت من الاحرف الاولى لاسم رئيس الكتائب بيار الجميل شعارا لها. تعود جذور الـ”بي.جين” الى “الفرقة الطلابية” التي جمعت طلابا كتائبيين شعروا منذ العام  1967  ببدايات الانفلاش الفلسطيني فقرروا مواجهته. بدأوا بالتدريب سرا في الجبال في نهايات الاسبوع وظهروا للمرة الاولى في عرض حزب الكتائب عام 1974. ومع انطلاق الحرب، كان شباب الـ”بي.جين” جاهزين للمواجهة فتولوها على طول خط القتال بين البيروتين، سيما في الصيفي والمرفأ والفنادق. نستعيد قصة الـ”بي.جين” لنضع المعادلة التالية: طرح الوجود الفلسطيني خطرا داهما على المسيحيين اللبنانيين في السبعينات من القرن الماضي فكان الرد جاهزا : تنظيما، وعصبا، ورغبة بالصمود والقتال والانتصار. رفع جورج حبش ونايف حواتمة ورفاقهما شعار “الحرب الشعبية”، ولكن من طبقه فعليا آنذاك هم المسيحيون اللبنانيون. اليوم، يطرح الانفلاش الاصولي  – بجناحيه السني والشيعي – تحديا متزايدا. تنذر المطالب المضمرة للطوائف الاخرى – المستقوية هذه بسلاحها، وتلك بالدعم الدولي، وهذه وتلك بمحاور اقليمية وازنة –  بتغييرات قادمة (لا محالة) في التركيبة اللبنانية لن تكون في مصلحة من يشكلون فعليا الحلقة الاضعف في المعادلة الداخلية. تدور لعبة الامم التي لا ترحم فوق جسد الوطن الصغير لتعيد تشكيله. وخلاصة هذه المؤشرات ان التحديات الوجودية قادمة مجددا. بل هي قدمت فعلا. انظروا اليها في وقائع تغطية قناة المنار لمراسم عاشوراء. راقبوها في دفق عشرات الالاف من الشباب المستلب الى ايديولوجيا مستوردة وظلامية، يدق قرع صدوره الغاضب على الحسين ناقوس الخطر لمن لم يعد يملك لا الحمية عينها ولا العدد ولا الرغبة بالمواجهة والنحر والانتحار. انظروا اليها في توطين فشل المسيحيون في منعه وصار فعليا وراءهم، بانتظار الاخراج والظرف الملائمين. حدقوا فيها جيدا. تبدو واضحة في النزف الديموغرافي المستمر. في قرى فارغة من سكان هجرها قاطنوها الى المدن، وفي مدن يسير شبابها زرافات صوب قاعات المطار. والتعداد هنا سريع وغير كاف. بالمقارنة، يبدو وضع المسيحيين اليوم أشد خطورة من  وضعهم في العام 1975، علما ان وضعهم آنذاك كان كارثيا. فمن أين سيأتي الرد هذه المرة؟ من أين سيظهر “البي.جين”؟ من سيلهم الشعب الصمود والمقاومة؟ من يحرك العصب عندما تدق طبول المواجهات الكبرى، سياسية كانت أم غير سياسية؟
 
كتب شارل مالك عام 1981 “(…) اني أجزم ان ما سيقرره المؤرخون في جامعات تيبنغن وفرايبورغ والسوربون وأكسفورد وبرنستون وهارفارد في السنة 2030 هو ان هذه الحرب كلها دارت حول مصير المسيحية الحرة في لبنان”. والسؤال اليوم: هل سيتوصل هؤلاء المؤرخون ذاتهم الى ان المسيحيين اللبنانيين واجهوا الظروف التي أحاطت باسقاطهم واسقاط الحالة القبطية عليهم –  التي لن يطيقوها، لانها لا تطاق، ولانهم لم يعتادوها، وسيهربون منها عبر المزيد من الهجرة –  بحالة داخلية عنوانها شتم رأس المؤسسة الكنسية التي مثلت استمراريتهم طوال القرون ال14 المنصرمة؟ هل سيكتبون ان الموارنة التهوا بالتناحر الداخلي  المثير للخجل  (والشفقة) عن مواجهة استحقاقات لا رب آتية، ستحدد مصيرهم –  سلبا ام ايجابا –  على امتداد العقود المقبلة؟ لن تكون الخلاصة الاولى من نوعها في تاريخ المسيحية المشرقية، بمطلق الاحوال، اذ أننا قرأنا عن استعار الجدل والخلاف بين علماء القسطنطينية حول جنس الملائكة، في وقت كانت اسوارها الفارغة من المدافعين عنها تتهاوى تحت ضربات المحاصرين. فعل يكرر المسيحيون الموارنة اليوم تاريخ أخوتهم الاورثوذوكس؟
 
كتب مالك أيضا “هل ستنطفئ المسيحية الحرة في هذا الشرق؟ هذا هو السؤال؟ (…) هل لنا نحن المسيحيين الاحرار، مستقبل بعد في لبنان؟ هذا هو السؤال!”، فهل يمكن لسليمان فرنجية المتحمس لتأديب البطريرك ان يجيب على سؤال شارل مالك؟ هل قرأه أصلا؟ هل فكر فيه؟ هل هو معني به؟ هل يمكن لهذا الوزير الاتي من صميم العصر السوري الاسود، من صميم وزارات التجنيس والافساد والفساد، من صميم القوانين الانتخابية الظالمة، وقهر الناشطين المسيحيين واعتقالهم وقتلهم أحيانا، من صميم الايام الراعبة التي لم تكن محطة 7 اب  سوى واحدة منها، هل يمكن له أن يطلعنا على تصوره لضمان استمرار المسيحية الحرة في لبنان؟ هذه المسيحية الحرة التي يجب ان تبقى كذلك بكل الابعاد السياسية والثقافية والاجتماعية لكلمة حرية، اي ان تبقى حرة وفق المفهوم الماروني للكلمة. هل يحافظ عليها عبر اتهام البطريرك تارة بالهيجان امام منظر الارامل المتشحة بالاسود في بكركي، وطورا بالتبعية لسفارة اجنبية؟  
 
لا  يكاد يطل فرنجية مرة من دون ان يأتي على ذكر حادثة اهدن. مما لا شك فيه ان الحادثة شكلت محطة سوداء في مسار المسيحيين اللبنانيين المعاصر. ولو قدر للقيادات المسيحية آنذاك التي تتحمل مسؤولية ارتكابها ان تقف امام محكمة التاريخ، فسيكون الحكم عليها قاسيا جدا، لان منعطف اهدن فصل العصبية الشمالية المارونية عن معركة الوجود المسيحي التي كانت دائرة في الجبل. احترب الشمال الماروني داخليا بين زغرتا وبشري، بين الكتائب والمردة، فصار مأخوذا عن المشاركة بمعركة المصير المحتدمة قريبا منه، والتي لم يكن في الاصل لاهيا عنها. ولكن هل ينبغي تذكير فرنجية ان عائلته نفسها ليست بدورها بريئة تماما من عادات سفك الدماء المسيحية على مذبح الصراع على السلطة؟ هل لنا ان نذكره بشعار “عدم وجود الكتائب في الشمال” الذي رفعه جده الراحل قبل حادثة اهدن، وبتصفية عدد من الكتائبيين الشماليين كترجمة عملية لهذا الشعار؟ هل يذكر فرنجية اسم جود البايع، رئيس اقليم زغرتا الكتائبي الذي اردي في شكا عام 1978، والتي جاءت عملية اهدن – أقله نظريا –   ردا على اغتياله ؟
 
يمكن لنا طبعا ان نكمل المسلسل وصولا الى مجزرة مزيارة في الخمسينات، ولكننا لن نفعل ذلك لان بيت القصيد في مكان آخر. هو في ان القاعدة تتمدد شمالا وبقاعا “فيما ينشغل المسيحيون بخلافتهم الداخلية”. وكان من الادق القول “ينشغل الزعماء المسيحيون بخلافاتهم الداخلية”، لان المسيحيين من غير “الزعماء” منشغلون بتوضيب حقائب الرحيل عن الوطن.  بيت القصيد  أيضا، هو في ان البقية من المسيحيين التي  قررت ان تبقى فيه يصدمها الا يخجل زعيم ماروني من تحقير البطريركية امام عدسات الاعلام، علما انه يفعل ذلك في اطار الحملة المطالبة باستعادة حقوق المسيحيين السليبة (!). والواقع أننا اذا ما وضعنا جانبا أصحاب الرؤوس الحامية والمتهوسة من أنصار الاطراف المسيحية المختلفة المتصارعة، لرأينا ان ما يسكن السواد الاعظم من المسيحيين حاليا هو مزيج  يعتمل فيه القرف بالذهول، لينتجا معا حالة من اللامبالاة القاتلة. وأما القرف، فهو من ملامح المشهد المسيحي الداخلي المتصدع. وأما الذهول، فهو من التدني غير المسبوق في مستوى التخاطب السياسي المؤشر الى حالة انهيار ثقافي وأخلاقي تام (DECADENCE). وأما اللامبلاة، فهي لان حقيقة تهافت غالب الطبقة السياسية المسيحية المحموم على مغريات السلطة، بعيدا عن اي هدف أخلاقي مرتبط بخدمة الشأن العام، تكشفت. ولان عجزها، وتناقضاتها، وفوضاها الفكرية، ظهرت. 
 
هذه محنة المسيحيين اليوم. أن يلتزموا سياسيا في الاطر القائمة حاليا، يعني ان ينساقوا الى اتون حروب الغاء لا تلغي أحدا سواهم. وألا يلتزموا سياسيا، يعني الاستقالة من الشأن العام، وهي الخطوة الاولى صوب الذمية. حلقة مفرغة ينبغي العمل على كسرها، قبل ان ينكسر ما تبقى من أمل في النفوس القلقة والخائفة والسائرة صوب الاستسلام الطوعي.
 
ان لم يحصل ذلك، تكون تضحيات الـ”بي.جين”  والكثيرين الكثيرين غيرهم راحت هباء.

المصدر:
النهار

خبر عاجل