هل الانتحاري هو، فقط، من يفجّر نفسه في شارع أو سفارة أو موقع؟
هو، في الواقع، منتحر فرد أو إثنان. يقتل أو يقتلان مجموعة من الناس مختارة أو عشوائيّة.
فهناك انتحاريّون جماعيّون أشدّ خطراً وإيلاماً وتدميراً لمجتمعات وطوائف ودول وأوطان، يمارسون وظيفة الانتحار المركّبة، باسم التصدّي للانتحار الفردي.
أليس هذا ما يفعله “حزب الله” في لبنان وسوريّا؟
كان من المنطقي، بعد التفجير في الجناح، أن يسمع الناس شيئاً من التعقّل أو التبصّر أو التروّي، والتفكير قليلاً في هدير مطحنة الموت المتدافع والمتعاظم. فسمعوا إصراراً على المضي في الانتحار العام وانزلاقاً إلى أشداق حرب مفتوحة لا قعر لها.
كانت عمليّات الانتحار في سوريّا والعراق. استدرجوها إلى لبنان بالذهاب إلى ديارها. ذهبوا إلى دارها فأتت مهرولة إلى دارهم. فهل هناك من يشكّ لحظة واحدة بأنّ التفجير في الضاحية مرتبط بالتورّط في سوريّا ارتباط النتيجة بالسبب؟ أين أصبحت نظريّة قيادة “حزب الله” في اقتحامهم لنمنعهم من اقتحامنا؟
بل أكثر، لا يعود “الفضل” في ابتكار الانتحار بالسيّارات المفخّخة لتكفيريّي “القاعدة” وفروعها. سبق الفضل منذ 1983 في بيروت والجنوب.
ولا فرق في الأهداف، فأميركا وفرنسا وإسرائيل آنذاك كانت ل”حزب الله” ما هو عليه الآن، مع إيران والنظام السوري، لأعدائهم. لا يمكن مناقشة الانتحاري في عقيدة تصنيف عدوّه.
في 7 أيّار 2008، صنّفوا بيروت والجبل عدوّيْن، فسقط عشرات الضحايا.
اليوم، يصنّفون معظم الشعب السوري عدوّاً، فيسقط الآلاف، وتُدمَّر قرى ومدن.
نحن، إذاً، أمام حرب بين انتحاريّين يدفع ثمنها أبرياء في الوسط، وليس بين فريق يريد الحياة والدولة وآخر يحترف الموت والفوضى، كما بين الغرب والإرهاب مثلاً.
فالسواد لون عميم، والتباهي بالدم ذميم.
الطرفان “يجاهدان في سبيل الله” عبر قتل خلائقه ، في صراع أولياء وخلافة وخلفيّات وسلف وخلف. بينما الجنّة للأبرياء والصالحين، وليست للسفّاكين.
والأشدّ إذهالاً، أنّ الحفر في البئر يتعمّق ويتّسع. الحفّارون تحرّكوا عجالاً إلى “حفر الباطن”، موجّهين قذائف – رسائل إلى السعوديّة، عبر ميليشيات شيعيّة عراقيّة. سبقهم تهديد صنّاجاتهم الإعلاميّة في بيروت واتّهامات جاهزة، واضحة أو مشفّرة، وكلام حارّ فوق الصفيح الساخن، فسارعت المملكة إلى تأمين رعاياها.
لقد فتحوا لبنان على أثمان حروبهم الخطيرة. وما زلنا في البداية، يقول الجميع.
والرسالة جاءت سريعة من يونين، وستجيء من سواها: التفخيخ على طرق لبنان وفي شوارعه وبين أبنائه. و”حزب الله” في الورطتين:سوريّا ولبنان.
وجرس رئيس الجمهوريّه ميشال سليمان عن خطر التورّط على استقلال لبنان ووحدته يقرع آذاناً صمّاء ورؤوساً رعناء.
نكاد نسمع الحقد المخنوق في صدورهم ضدّ صراحة الرئيس وشجاعته وعقلانيّته لدرجة قولهم إنهّ “يمثّل السلطة وليس الدولة فهم الشعب والأرض!”. لا يتحمّلون نصيحة ولا توعية، ولا إرشاداً إلاّ من “المرشد”.
ولكان الأمر أقلّ سوءاً لو كانوا في جزيرة معزولة، بل هم يجرّوننا إلى “جنّتهم بالسلاسل”، ويفرضون علينا حروبهم والتزاماتهم القاتلة.
أمس، وقبله، وجّه لهم المسيحيّون رسالة حاسمة في جامعاتهم ونقاباتهم وجماعاتهم، بعد مرحلة تيه وضياع وخداع دامت 7 سنوات، سبّبها متزعّمو الطفرة الطارئة ، في “التفاهم” الانتحاري المفخّخ.
وقبل 7 و11 أيّار 2008، وفيهما وبعدهما، رسالة حاسمة أخرى من السنّة والدروز.
ولناظر الغد القريب، رسالة ثالثة من بيئتهم نفسها، من الشيعة اللبنانيّين الكيانيّين، بعدما حوّلوهم إلى سلع ووسائل في حروب الحكّام والفقهاء والأهلّة.. والآلهة!
سقطوا بين شركائهم وأهلهم في الوطن، ويسقطون أمام شركائهم في القتل، أشباههم في العنف والانتحار.
فهل يوقفون الحفْر في بئر بلا قعْر؟