انسحاب شرّي يمهِّد للتزكية وعزوف الحسيني يرشِّح قانصوه
«بنك» الترشيحات الذي عمدت القوى الرئيسية إلى ملئه كاحتياطي للإنفاق الانتخابي المستتر، ولزوم ما تستوجبه التحالفات والتسويات، بدأ رأسماله يتناقص أمس بعد اتضاح معالم الكثير من اللوائح وتسليم عدد من المرشحين المنفردين بنتائج لعبة الأحجام والمحادل
من بين الانسحابات المنطقية ضمن المهلة المحددة لسحب الترشيحات، جاء الانسحاب ـــــ التضحية من النائب أمين شري لمصلحة مرشح حركة أمل في دائرة بيروت الثانية «التزاماً بقرار قيادة حزب الله الحريصة على قوة المعارضة وانسجامها وتماسكها، وخصوصاً في هذا الاستحقاق الانتخابي»، ليؤكد حرص حزب الله على وحدة المعارضة «ولو من كيسه»، واضطراره مرة جديدة إلى أداء دور كاريتاس، بسحب مقعد من رصيده وإعطائه لحليفه الرئيس نبيه بري، لتبقى حصة الأخير الشيعية هي نفسها، في ضوء عدم ضمان فوز مرشحه ناصر نصر الله في البقاع الغربي. ولاحقاً اجتمعت قيادة أمل وقررت سحب ترشيح محمد خواجة وإبقاء هاني قبيسي مكان شري، ثم أعلنت جمعية آل قبيسي قرار المرشحين ذو الفقار وحيدر قبيسي العزوف عن الترشح «حتى لا يتكرر اسم العائلة في الترشيح في دوائرة أخرى».
ويأتي ذلك وسط معلومات عن اجتماع عُقد قبل يومين بين النائب سعد الحريري والمعاون السياسي للأمين العام لحزب الله حسين الخليل، بُحث خلاله تغليب التزكية في دائرة بيروت الثانية، عبر الاتفاق على اللائحة كاملة ويسحب الحريري مرشحيه الفائضين، فيما تسحب المعارضة ترشيح عدنان عرقجي ورافي مادايان.
إلا أن ما حصل بين قطبي الشيعة لا يعني أن العقدة بين بري والعماد ميشال عون قد حلت، حيث لا يزال الأخير متمسكاً بـ«التنافس الحبي» في جزين، فيما يحاول حزب الله تحقيق مقايضة معه بإعطائه مقعد بعبدا الشيعي، مقابل بقاء النائب سمير عازار في جزين، وهو ما حاولت أمل إراحة الحزب فيه، عبر إعلان مرشحها لمقعد بعبدا طلال حاطوم «الانسحاب رسمياً من الانتخابات النيابية المقبلة لمصلحة الإخوة في حزب الله».
وكان ثاني أبرز الانسحابات أمس، إعلان الرئيس حسين الحسيني أن ترشحه «في غير محله» وأن «العودة إلى المؤسسة الدستورية الأولى التي هي الشعب لا تكون بتزييف تمثيله، بل بإطلاق قدرته في ثورة دستورية تعيد إليه السلطة المصادرة بقوانين انتخاب يخجل آباؤها من الإقرار بأبوتها الشنيعة، تستراً، لا صدقاً أو شعوراً بالذنب». وقال: «لقد حاولت. لكن المسألة ليست مسألة هذا الشخص أو ذاك الحزب. المسألة هي مسألة شعب يستحق الحياة. مسألة رسالة وطنية ورسالة إنسانية». ووصف الاستحقاق المقبل بأنه «ليس انتخابات، لا قانوناً ولا فعلاً». ودعا اللبنانيين «إلى الانخراط في بناء الدولة المدنية: متساوين أحراراً وبلادنا جمهورية لبنانية. فنحن الشعب ونحن مصدر السلطات. ولنا، غداً، قول ومزيد من العمل، ونصر من بعده أكيد: فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض».
ويبدو أن قرار الحسيني أراح المعارضة في حسم المرشح الشيعي السادس في دائرة بعلبك ـــــ الهرمل، إذ فور إعلانه، قال النائب السابق عاصم قانصوه، إنه تبلغ من مسؤول حزب الله في المنطقة محمد ياغي أنه، أي قانصوه، سيكون سادساً لـ: حسين الحاج حسن، حسين الموسوي، نوار الساحلي، علي المقداد وغازي زعيتر. ورجح إعلان اللائحة غداً الجمعة من قلعة بعلبك.
وبعد انتهاء مهلة سحب الترشيحات، منتصف الليلة الماضية، أعلن الوزير زياد بارود انسحاب 115 مرشحاً واستمرار 587 في المعركة، منهم ثلاثة ضمنوا مقاعدهم سلفاً بالتزكية، هم النائب آغوب بقرادونيان عن الأرمن الأرثوذكس في المتن الشمالي، وأرمنيان في دائرة بيروت الثانية. ولفت بارود إلى «وجود شكاوى من كل الأطراف»، مؤكداً أن المعالجة «ستبدأ في القريب العاجل من خلال تدابير حازمة». وأضاف أنه اعتباراً من مساء أمس يجب بدء الالتزام بالقانون بالنسبة إلى الإعلام والإعلان الانتخابيين.
ومن أبرز الانسحابات أمس، مرشح الحزب القومي في دائرة عاليه خليل خير الله الذي أعلن انسحابه ليلا حرصاً «على صيانة وحدة المعارضة». ومرشح الحزب الديموقراطي عن المقعد السني في دائرة مرجعيون ـــــ حاصبيا وليد بركات، الذي أعلن قراره من عين التينة بعد لقائه بري بناءً على طلب الوزير طلال أرسلان. ومن الرابية، جاءت انسحابات المرشحين في المتن: جان أبو جودة وفادي أبو جودة، والمرشحين في بعبدا جو حبيقة وفادي جرجس، والنقيب شكيب قرطباوي.
وقد حاول النائب ميشال المر التخفيف من تأثير انسحاب المرشحين أبو جودة لمصلحة عون، وكذلك انسحاب الوزير نسيب لحود، بالقول بعد لقائه الرئيس بري أمس، إنه «لا تأثير للحود ولا المرشحين الآخرين»، مشيراً إلى أن الأول انسحب لأسباب شخصية، والآخرين «شباب طيبون وكانوا يحبون أن يخوضوا الانتخابات، ولم يتوافر لهم مكان عندنا ولا عند العماد عون». وذكر أن لائحته والكتائب والقوات «على وشك أن تتألف وسنعلنها نهار الأحد». كذلك زار المر أمس رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة، وقال إنه بحث معه الأوضاع و«التهويش» في «وسائل إعلام المعارضة»، مطالباً بأن «تقوم هيئة مراقبة الإعلام بدورها ولا تترك الأمور كما هي».
وبصفته رئيساً للحكومة، تلقى السنيورة أمس اتصالاً من وزير خارجية مصر أحمد أبو الغيط، ذكر مكتبه الإعلامي أنه جرى خلاله «عرض العلاقات الثنائية والأوضاع على الساحة العربية». أما بصفته مرشحاً في منطقة قد يكون للجماعة الإسلامية صوت مرجح فيها، فقد دعا السنيورة، بحسب بيان للجماعة، وفداً منها إلى لقاء في السرايا تركز البحث فيه «على وقف الجماعة حوارها وتحالفها مع تيار المستقبل»، وعرض «توسطه للوصول إلى صيغة توافقية مقبولة لدى الطرفين». ورد الوفد بأن «تنازلات الجماعة بلغت مداها، وأنها مستعدة لاستئناف الحوار شرط الالتزام بما أبلغته للنائب سعد الحريري ولجميع الوسطاء في ما يتعلق بتمثيلها في أي تحالف».
أما النائب أسامة سعد، فرفع سقف التحدي مع السنيورة، ودعاه إلى مناظرة تلفزيونية أو شعبية في صيدا، وقال في لقاء مع ممثلي تجمع المؤسسات الأهلية «إن المعركة الانتخابية فرضت على مدينة صيدا، وعلى كل فريق أن يحاول أن يجمع أوراق القوة في يديه لتعزيز وجهة نظره وفرضها»، مضيفاً: «نحن قبلنا بهذا التحدي وسنسير معه ولن نعاكسه من حيث العملية والآلية»، مبدياً حرصه الشديد على «إجراء الانتخابات في أجواء مريحة وهادئة، وإلى حد ما ديموقراطية». ودعا إلى «المحافظة على مبدأ التوازن والتنوع، وخصوصاً في هذه المرحلة الدقيقة والمفتوحة على كل الاحتمالات، وإلى عدم الانزلاق إلى مخاطر نحن في غنى عنها»، مطالباً القوى السياسية الصيداوية بحماية المدينة من أية تداعيات، وبالحفاظ على أهلها وثقافتهم وانتمائهم الوطني الذي يجمع على أن «إسرائيل» هي العدو الحقيقي لأمتنا.
وفي المواقف العامة، دعا مجلس المفتين إلى تضافر الجهود «للعمل على تهيئة الأجواء والمناخات الهادئة والملائمة للوصول إلى إجراء انتخابات نيابية يعبّر من خلالها المواطن عن رأيه بحرية وشفافية بعيداً عن أي تهديد وتهويل». وشدد على «ضرورة الارتقاء بالوعي لدى اللبنانيين كافة إلى الإدراك يقيناً بأن العدو الأول للبنان هو العدو الإسرائيلي الذي يحتل فلسطين ولا يزال يحتل مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وغيرها»، مبدياً ثقته «بأن اللبنانيين مهما اختلفوا في آرائهم، فإن الخلاف بينهم لا يصل إلى مستوى العداوة ولا يعدو كونه خلافاً بين الإخوة في كنف العائلة الوطنية الواحدة مع ما يقتضيه من تصحيح للأخطاء ووجوب تراجع المسيء عن إساءته».
كذلك شدد البطريرك الماروني نصر الله صفير، على «ضرورة إجراء الانتخابات في جو من الديموقراطية والنزاهة بعيداً عن التشنجات، وأن يحسم الناخبون اختيار الأفضل لتمثيلهم». وقد التقى في بكركي المرشح سامي الجميّل، الذي قال إن لائحة المتن التي تضم المر «لن تكون برئاسة أحد»، ثم بحث مع فريد هيكل الخازن انتخابات كسروان ـــــ الفتوح. وذكر الوزير السابق إدمون رزق بعد لقائه، أنه سيعلن الأحد المقبل موقفاً من الانتخابات، مشيراً إلى أنه «بصدد استكمال المشاورات لتأليف لائحة مستقلة من جزين ولجزين وللجنوب ولبنان».
وبعد اجتماع حضره الوزير وائل أبو فاعور والنائبان مروان حمادة وأكرم شهيب، تأكيداً لتجاوز مواقف النائب وليد جنبلاط، أعلنت قوى 14 آذار في بيان تلاه مستشار الرئيس أمين الجميّل ساسين ساسين «إزالة كل العوائق وآثار الغبار الذي أثارته عملية تأليف اللوائح الانتخابية»، مؤكدة «تماسكها ووحدتها في الانتخابات النيابية المقبلة». وهنأت فرع المعلومات «على كشف شبكات التجسس والمتورطين معها وملاحقتهم». وقال ساسين إن جنبلاط أوضح موقفه «النهائي والكامل» في مؤتمره الصحافي (الإطار). كذلك رأى منسق الأمانة العامة لـ14 آذار أن توضيح جنبلاط «ذلل الكثير من الالتباسات التي كانت قائمة»، مشيراً إلى أن مواقف القيادات المارونية مما قاله سابقاً لا تعني ضعفاً «بل هي ناتجة من حكمة حقيقية تهدف إلى تثبيت السلم الأهلي في الجبل».
________________________________________
جنبلاط يوضح ولا يعتذر: كان تعبيراً عن إحباطي
«بعد استشارات مع الشيخ محمد جواد ولي الدين الذي ساءه وأحزنه كثيراً التسريب الذي حصل في خلوته»، وبعد طلب من الشيخ أمين الصايغ، أوضح النائب وليد جنبلاط أن كلامه نشر مجتزأً. وتمنى من البطريرك نصر الله صفير «ومن خلاله من سائر المواطنين، أن يعتبروا أن الكلمة المسيئة والمهينة التي استخدمتها والتي اجتُزئت من حديث طويل حول حالات الانعزال، لم تكن إلا لتصف هذه الحالات المرضية الموجودة لدى كل الطوائف ومختلف المجموعات اللبنانية والتي لا بد من معالجتها ووأدها». وأكد أن ما قاله كان تعبيراً «عن إحباطي، على طريقتي، من عملية اختيار المرشحين في صفوف 14 آذار حيث مع الأسف طغى اللون الحزبي والتطرف على حساب الاعتدال والانفتاح من جزين الى عكار مروراً بجبل لبنان». وقال إن «هذه العملية الانتقائية للمرشحين لا تنحصر فقط في 14 آذار فقط بل تتمثل أيضاً في الفريق الآخر الذي لا يعطي للاعتدال، أي اعتدال، مسيحياً كان أو مسلماً، أي اعتبار».