الاثنين 25 تشرين ثاني 2013
شهيد الطائف الذي كان فعليّاً شهيد ثورة الأرز قبل 15 عاماً من انطلاقها، سيكون محور احتفال تكريميّ لمعنى الطائف والاستقلال، ولما هو أبعد من مجرّد التساؤل عن قدرة صيغة الشراكة الإسلامية المسيحية بنموذجها اللبناني والعربي على البقاء على قيد الحياة، وسط هذا الكمّ الهائل من موجات التطرّف، التي تهدف لتشويه حركة التغيير الحاصلة في المنطقة.
في ذكرى “نحن والاعتدال أكثرية” ستُبَثّ كلمات لشخصيات عربية أبرزُها لرئيس الائتلاف السوري أحمد الجربا ورئيس الوزراء العراقي الأسبق إياد علاوي، والأمين العام السابق لجامعة الدول العربية عمرو موسى، ومن لبنان ستكون كلمات مسجّلة للّواء أشرف ريفي، ولشخصيات أخرى، فيما المتوقّع أن يسجّل حضور لبنانيّ للمرّة الأولى، باستثناء قوى قليلة لم توجّه الدعوة إليها للمشاركة في الاحتفال.
لم يكن اختيار عنوان المهرجان التكريمي لذكرى الرئيس معوّض سهلاً. التركيز على الاعتدال يقع في صلب مشروع 14 آذار وثورة الأرز، التي تشكّل حركة الاستقلال أحد مكوّناتها. هذا الاعتدال الذي بات مستهدفاً من طرفين في المنطقة (إيران وحلفائها من جهة، والتطرّف الإسلامي العنفي من جهة ثانية) يمرّ بأصعب اختباراته، خصوصاً بعد اندلاع الثورة السورية التي نجحت إيران عبر دعمها للنظام السوري، كما ساهم التخاذل الدولي، بتغيير وجهها الحقيقي، وبتهديد قوى الاعتدال لصالح التطرّف، وفي هذا العنوان، ستكون كلمة الجربا التي تضمّنت عناوين هامّة، هي الكلمة الأبرز، لأنّ المتكلم يتحدّث باسم الثورة السورية وعنها، كما يتحدّث عن تجربة المسيحيّين في سوريا، في ظلّ نظام الأسد، وما أدّت إليه من تهميش لدورهم وموقعهم.
تصلح الذكرى الرابعة والعشرون لاغتيال الرئيس معوّض، لأن تكون محطّة تتوقّف عندها قوى 14 آذار وثورة الأرز. شكّل الاغتيال بداية الإطباق الكامل للنظام السوري على لبنان، ولم يكن اغتيال الرئيس رفيق الحريري سوى استكمال لاغتيال الطائف والاستقلال، وباتت المعركة مع النظام المستمرّ شكلاً في سوريا، معركة أكبر مع إيران وحلفائها، وبات الاعتدال في لبنان والمنطقة هو الهدف، في ظلّ حرب مذهبية لن تتوقّف نتائجها في سوريا.
هذه العناوين سيتناولها رئيس حركة الاستقلال ميشال معوّض، في كلمته، التي تأتي في سياق تحرّك لمسيحيّي 14 آذار، الذين يسعون لخوض معركة التمسّك بالشراكة مع المسلمين، في مرحلة سوف تشهد اندفاع إيران وحلفائها في المنطقة، خصوصاً بعد الاتفاق الأميركي الايراني، الذي وإن لن يشمل أية صفقات جانبية في العراق وسوريا ولبنان، إلّا أنّه سيؤدّي حكماً الى توظيف إيرانيّ اقتصاديّ وسياسي لمفاعيل هذا الاتفاق، في كلّ هذه الدول، وهذا سيعني إعادة ضخّ القوّة المالية والتسليحية لقوى المشروع الإيراني، بهدف قلب موازين القوى، وتحقيق انتصارات، على إيقاع العزوف الدولي عن ضبط ما يجري في المنطقة.
يبقى في هذا الاحتفال تساؤل عن مغزى اختيار كلمة اعتدال لإيصال رسالة مختصرة عن جوهر مشروع قوى 14 آذار، وعن قدرتها على الصمود بوجه موجة عاتية من التطرّف الشيعي والسنّي الذي أجّجته الحرب المذهبية في سوريا، وعن قدرة مسيحيّي 14 آذار كما مسلميها على التمسّك بروحية الثورة المدنية العابرة للطوائف التي انفجرت في العام 2005. جواب ميشال معوّض على هذه الإشكالية، يتلخّص بقناعةٍ مفادُها أنّ للاعتدال قوّة، تشبه قوّة دينامية، إذا تأخّرت لا يمكن أن تتوقّف، فإيران وحلفاؤها يمكن أن يؤخّروا مسار التغيير الحاصل في سوريا، ويمكن أن يمذهبوه الى حين، لكنّ هذا المسار يسير في طريق ستصل في النهاية الى إرساء قوّة الاعتدال والحداثة وحقوق الإنسان وحفظ حقوق الأقلّيات، ومن يراهن من المسيحيّين على نظام متداعٍ، سيلحق بهذا النظام فور انهياره، لأنّ المستقبل سيكون في لبنان والمنطقة، لقوّة الاعتدال.