واحسرتاه، يبدو أن الشيعة في مواجهة الآخرين
مايكل يونغ
مايكل يونغ
أطلق القتل المأساوي والأحمق من قبل المتظاهرين في الشياح الأحد الماضي، ربما بشكل شرعي، الرصاصة الافتتاحية لمرحلة جديدة من الأزمة اللبنانية التي قد تزداد عنفا. لا يزال من كان مسؤولا عن الجرائم غير معروف. لكن إن أجرينا تحليلا هادئا لما حدث تتظهر لنا حقيقة مقلقة: كان الأحد يوما كارثيا على الصعيد السياسي لأحزاب المعارضة الشيعية، حزب الله وحركة أمل، التي تعرضها عدم قابلتيها لإنجاز أهدافها السياسية، لا بل اضطرارها للتراجع تجنبا للسقوط، لإمكانية خلق عداوات أخرى أكثر إيلاما.
بعد انتهاء حرب تموز 2006 ومع تزايد المواجهة بين الأغلبية البرلمانية والمعارضة، كان حزب الله دائم الانتباه لوضع فريق غير شيعي في واجهة تحركات المعارضةَ. بينما كان ممثلو السنّة غير فاعلين، كان ميشال عون، لفترة من الوقت، الوقت، الشخص الذي أضفى المصداقية على الإدّعاء الذي أطلقته المعارضة على أنها متعددة الطوائف. تلقت تلك الحجة ضربة قاسية في تظاهرات 23 كانون الثاني 2007 حين أخفق العونيون في إقفال الطرق لمدة طويلة في المناطق المسيحية بدون مساعدة من الجيش. حتى ذلك المسعى انهار وفتحت الطرق داخل الوسط المسحي وبين بيروت وطرابلس مع مغيب الشمس.
على أية حال، ردّ عون في انتخابات المتن الفرعية في الصيف الماضي، عندما أوصل شخصا مجهولا، كميل خوري، إلى البرلمان. بالطبع كان انتصارا باهظ الثمن. فقد أكّد مجموع الأصوات أن عون فقد قسما كبيرا من الصوت الماروني؛ كما أظهر ن عون اعتمد بشدّة على وحدة الناخبين الأرمن الذين ليسوا بالضرورة ملتزمين بالجنرال شخصيا، والذين قد يصوتون بشكل مختلف جدا في المستقبل. لكنه أظهر أيضا أن عون لم يكن خارج اللعبة، كما توقع البعض.
على أية حال، من التي قرر فيها تحالف 14 آذار تأييد قائد الجيش، ميشال سليمان، كمرشحها الرئيسي، تغيّرت حالة عون بشكل مثير. فقد اتكل الجنرال أن الفراغ الرئاسي سوف يحسّن فرصة انتخابه، على أساس أن المسيحيين المعترضون قد يحتشدون خلفه. في الواقع ما حدث كان العكس تماما. بدأ العديد من المسيحيين، الذين رأوا في سليمان رئيسا قويا فعلا، والمستاءين من عون ومن هجمات حليفه سليمان فرنجيه الطائشة ضد البطريرك الماروني نصرالله صفير، والذين لم يقتنعوا فعلا بتحالف التيّار الوطني الحر بحزب الله – والكثيرون من بينهم صوتوا لصالح عون في العام 2005- يبتعد عن الجنرال بثبات.
ما يؤكد هذه النظرية، هو السلوك الذي عبر عن التحول في الرأي المسيحي، وجسده ميشال المرّ. في الأسابيع الأخيرة قاد المر تمرّد داخلي ضار جدا ضد عون. دافع عن المبادرة العربية التي تريد تسليم السلطة لسليمان، كرئيس “جيد للمسيحيين” بينما كان خوف عون الأعظم هو أن يرحب مناصريه بهذا الطرح ويتخلون عن ترشيحه. دافع المر عن صفير ضد هجمات فرنجيه، في حين أن معظم نواب عون، الذين جعلوا من بكركي فيما مضى بيتهم الثاني لزموا الصمت. كما وأعلن المر أن المتن لن ينزل إلى الشارع ليشارك في مظاهرات المعارضة. كان هذا وعدا سهل الوفاء به، لأنه ليس لدى عون حتى القدرة لتنظيم احتجاجات في المناطق التي يمثلها أعضاء كتلته في البرلمان.
الواقع أن موقف المر يلقى شعبية بين المسيحيين. والأحد الفائت وجد عون نفسه في أسوأ وضع يمكن أن يواجهه حين اشتبك- حليفه، حزب الله، مع الجيش – المؤسسة الرسمية الوحيدة التي لا يزال عون يحظى فيها ببعض العطف. كان الاختيار بالنسبة للمسيحيين سهلا: لقد ساندوا الجيش، خاصة بعدما سرت أخبار أن المتظاهرين قاموا بتكسير سيارات في حي عين الرمانة المسيحي، حيث رمى أحد المتظاهرين لاحقا قنبلة جرحت عدة أشخاص. في هذا السياق، يرى العديد من أتباعه أن تحالف عون مع حزب الله لم تكن فكرة جيدة، مما قد يسرّع في خلق نزاع مدني إن تابعت المعارضة احتجاجاتها، التي لا يكاد أحد يصدق أنها ليست سوى مطالب لزيادة التغذية بالكهرباء أو تخفيض أسعار المواد الغذائية.
لكن ضع نفسك مكان حزب الله وحركة أمل. حين تم تحييد شريكك المسيحي، بدت المعارضة، بشكل رئيسي، أنها ظاهرة شيعية. والأسوأ، بدت وكأنها، بشكل رئيسي، ظاهرة شيعية موجّهة ضد الجيش اللبناني، انتخابات رئاسية، وامتدادا، الدولة اللبنانية نفسها. بالتأكيد، ليس هذا الموقع الذي أراد أمين عام حزب الله، السيد حسن نصرالله، أن يضع نفسه فيه؛ وهو باختصار، انتحاري للشيعة.
على أية حال، ذلك على ما يبدو لم يقنع حزب الله بالتراجع. من المحتمل أن تكون أعمال الشغب يوم الأحد افتعلت لتشويه سمعة سليمان. فانتقادات المعارضة التي تتابعت ضد قائد الجيش بأنه لم يعد مرشح إجماع للرئاسة تدعم هذه النظرية. حاول السوريون مؤخرا المساومة على مرشحين بديلين، عبر قطر، مع الفرنسيين- هذه المحاولة لم يزدها النفي القطري والفرنسي إلا تأكيدا. فجأة، يجد حزب الله نفسه في الموقع المزعج المانع لانتخاب رجل يعتبره العديد من المسيحيين زعيما قويا فعلا، لك هذا لأن الحزب لن يترك عون، الذي هو على حافة الانهيار السياسي. ولماذا يفعل حزب الله ذلك؟ لأنه بحاجة ماسة للجنرال كحليف في حكومة مستقبلية.
سواء كانت حسابات حزب الله محلية بشكل رئيسي، أم غطاء لامتداد سوري واسع، فالحزب، يدفع، ربما بغير قصد، الشيعة لمواجهة مع بقية المجتمع اللبناني بغية حماية نفسه، وهذا أسوأ ما يمكن أن يصيب الطائفة. إن عدم تمكن حزب الله من تحقيق أي من أهدافه السياسية في الأشهر الـ13 الماضية زاد من إحساسه بالإحباط، وجنوحه نحو العنف. إن الحزب يبطش، لكن على 14 آذار، وبأي ثمن، أن تستنبط الطرق لتمنع الشيعة من الاستسلام لـ “كربلاء جديدة” إحساس أن مبدأ الضحية هو قدر طائفتهم التاريخي.
في العام 1975 كان لدى المسيحيين عقدة كربلاء الخاصة بهم. ذلك الهوس المزمن في الدفاع عن الامتيازات المسيحية، الذي اعتبر في ذلك الوقت خطا وجوديا أحمر. في تلك العملية فقدوا سيطرتهم على الدولة. جعل حزب الله من سلاحه خط دفاع أحمر عن الطائفة الشيعية. لكن كربلاء، كما وصفها محلل فطن، أمر قد لا يرغب الشيعة تذكره، بما أنه انتهى بمذبحة وهزيمة. وأمر لا يرغب أي لبناني أن تتذكره الطائفة الشيعية، أو أن تكرره.
تعلم المسيحيون على حسابهم خلال أحداث 1975 – 1990 إن الحرب ضد السنّة كانت أيضا في عدة أشكال حربا ضد العالم العربي. لم تتعافى الطائفة المسيحية أبدا من تلك الكارثة. إنه درس على الطائفة الشيعية ألا تضطر لأن تتعلمه.
مايك يونغ – محرر رأي الدايلي ستار