
لجامعة القديس يوسف في الوجدان اللبناني المؤمن بكيانية وقومية وخصوصية الوطن الصغير، مكانة خاصة.
هي أولاً جامعة الآباء اليسوعيين، “جيش الظل” في الكنيسة الكاثوليكية وحراس عقيدتها ومفكريها وعلمائها. منذ تثبيت إرساليتهم في لبنان العام ١٨٧٥، وجد هؤلاء الرهبان “الأجانب” بيئة تشبههم. وجدوا رهباناً “بلديين” سبقوهم الى نذور الفقر والعفّة والطاعة، متشبثون مثلهم بالمبادئ الإيمانية الصلبة ورواد نهضة وعلم وانفتاح. وجدوا شعباً متمسكاً بالقيم الإنسانية السامية، بالحرية، بالعدالة الإجتماعية، بالمساواة بين البشر، بكرامة الفرد وحقه بالسعادة والرخاء. والأهم أنهم وجدوا عائلات “خبزها كفاف يومها”، تدّخر كل فلس وكل قرش تكسبه بالجهد والعرق، من أجل مقعد لأولادها في المدرسة والجامعة.

هي ثانياً صاحبة دور ريادي في تأمين التواصل العلمي والثقافي والحضاري بين لبنان وأوروبا. وبذلك ساهمت، وما فتِئت، في ترسيخ رسالة ودور لبنان كجسر للتلاقي بين الشرق العربي المسلم والغرب المسيحي. في التاريخ اللبناني صفحات كثيرة تحكي عن الغزاة والاستعمار والانتداب والاحتلالات. بعد جلائهم عن بلاد الأرز، لم يترك العرب ولا المماليك ولا العثمانيون وراءهم صرحاً علمياً واحداً أو مكتبة أو مدرسة أو جامعة. وحدها الإرساليات الرهبانية المسيحية وبغض النظر عن تقييم البعض لدورها من زاوية بارانويا الاستعمار الموجودة لديه، وحدها تركت لنا إرثاً ثقافياً ومؤسسات تربوية جعلت من لبنان وقبل الفورة الحالية لانتشار الجامعات، موقعاً فريداً لطالبي العلم والمعرفة والاختصاص من كل حدب وصوب.
هي ثالثاً مدماك أساسي في بناء لبنان الحديث. ففي حقبة تأسيس الدولة والإدارة اللبنانية، شكّلت والى جانب الجامعة الأميركية في بيروت، الخزان البشري الرئيسي للكادرات والنخب الإدارية والسياسية والعلمية والمهنية: رؤساء جمهورية وحكومة، وزراء ونواب، مديرون عامون وموظفون، رؤساء احزاب الخ… كل هذا الى جانب الكمّ الكبير من الأطباء والمحامين والمهندسين ومهن واختصاصات اخرى ليس المجال اليوم لتعدادها.
هي رابعاً صرح تربوي كبير، تنتشر كلياتها على كامل التراب اللبناني ولها فروع في بعض دول الخليج. هي للمسلم كما للمسيحي. هي للطالب اللبناني كما لطالبي العلم من إخواننا العرب أو الأجانب. بيد أنها جامعة تقوم أولاً وآخراً على القيَم المسيحية الحقّة. هذا ما علمتنا إياه وهذا ما نحن عليه. لبنان الرسالة الذي نتغنّى به هو قبل كل شيء لبنان الإنسان والتحرر والمحبة وقبول الآخر.
هي أيضاً جامعة مقاوِمٓة. هي جامعة جان دوكرييه وسليم عبو وكل الآباء والدكاترة والأساتذة الذين بقوا الى جانب طلابهم وشعبهم في أسوأ الفترات التي مرت بها البلاد، فتحولت معهم الجامعة الى رمز للمقاومة وللصمود الفكري والثقافي والتربوي.
هي جامعة تحدّت ظروف الحرب، واستمرت جغرافياً على خطوط التماس رغم القصف والقنص والنار. زنّرت أكياس الرمل غرفها من كل جانب فاستحالت برجاً منيعاً للعلم رغم هول المعارك.
هي جامعة مواجهة الاحتلال السوري والفلسطيني للبلاد في كلّ مراحله. جامعة مقاوٓمة الظلم وجامعة مئات الشهداء وآلاف المناضلين المؤمنين بسيادة وحرية واستقلال لبنان.
هي جامعة النُخٓب التي تريد لبنان دولة متطورة ادارياً واجتماعياً وسياسياً، ترعاها سلطة القانون ويذود عن أراضيها جيشها وقواها الشرعية دون سواها؛ جامعة كل التوّاقين الى التطور والانفتاح والحداثة.
نعم… هي جامعة بشير الجميّل بكل ما يحمله بشير من رمزية وعناوين للدولة القوية والمجتمع المقاوم والحلم بحياة آمنة سعيدة والأمل بغدٍ أفضل للأجيال الآتية.
نعم… هي جامعة بشير… جامعة كل واحد منّا.
هي جامعتنا، منها انطلقت مسيرة نضالنا وفيها عشنا أحلامنا وهواجسنا، انتصاراتنا ونكباتنا. فيها نجد ذاتنا وهويتنا وثقافتنا وقيمنا وتاريخنا. لا نساير في ذلك بل نفتخر، ولا نتكاذب بل نعبّر عن وجدان تختزنه ضمائرنا. هي جامعتنا، بيد أنها جامعة لكل اللبنانيين من مختلف الطوائف والمناطق. نقبل الآخر ونقابله بالمحبة والانفتاح بلا عُقد وأفكار مسبقة، شرط التزام هذا “الآخر” الممارسة الديمقراطية والاحترام المتبادل والخضوع للقوانين الجامعية والعامة.
قد يعلو صخب البعض حيناً أو يتباهى بفائض من القوة حيناً آخر… لا هم.
“السماء والأرض تزولان وكلامي لا يزول”… وحدها كلمة الحق الى انتصار وكل هذه المظاهر الغريبة عن عاداتنا وواقعنا وثقافتنا هي الى زوال، فما بني على باطل هو باطل حتماً.
نحن أبناء رجاء وإيمان، ملتصقون بأرضنا وتاريخنا وتراثنا، ثابتون في الحق وحق لبنان أمانة راسخة فينا.
من اجل هذا كله لن نبخل بالعرق والدم، كما دائماً.
نضحّي بكل شيء إلا بخصوصيتنا ووجودنا وكرامتنا، فحذارِ اللعبِ بالنار.
حذار ياللعب بالنار عندما يتعلق الامر بكرامتنا
نعم حذاري المساس بمقدساتنا