لا تفسير لـ”صفقة العصر” بين إيران و”الشيطان الأكبر” بشأن ملفها النووي إلا في ضوء زميلتها الأخرى التي عقدها النظام السوري قبل شهرين تقريباً، ومع الشيطان نفسه، بشأن ترسانته من الأسلحة الكيميائية. كلتاهما، كما تقول المعلومات والوقائع على الأرض، ليست سوى مقايضة مكشوفة ثمنها بقاء النظام الحاكم في كلا البلدين، أو إطالة عمره مرحلياً على الأقل.
في كلام الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني علي شمخاني مع رئيس مجلس النواب، رئيس حركة “أمل” نبيه بري، إشارة واضحة الى أن بديل بلاده عن اتفاق جنيف مع الدول الخمس الأعضاء في مجلس الأمن الدولي زائداً ألمانيا كان واحداً من اثنين: انهيار النظام أو الحرب لتفادي هذا الانهيار. كما في إعلان رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام هاشمي رفسنجاني أن الاتفاق أنقذ إيران ما يؤكد ذلك. ومثلهما تماماً كان الاستنتاج الأهم لمقال على الموقع الالكتروني لمجلة “فورين أفيرز” الأميركية فضلاً عن عدد آخر من المقالات والتقارير في بعض أجهزة الإعلام في العالم.
ولا حاجة الى القول إن البديل نفسه كان خيار النظام السوري عشية قراره التخلي عن أسلحته الكيميائية، وبعد توصله الى “صفقة العصر” المماثلة مع “الشيطان الأكبر” نفسه، تصرف نظام بشار الأسد على أساس أنه حقق “انتصاراً” على الثورة ضده، فيما كان “حزب الله” يردد أمام القاصي والداني أن حليفه في دمشق كان على وشك السقوط خلال ساعات لولا أنه هرع لمساعدته. وهكذا لا تكون “صفقة” الأسد بشأن سلاحه الكيميائي، ومع رمز “الاستكبار العالمي” نفسه، إلا أحد عناصر “فائض القوة” التي يعتز بها حزب “المقاومة” واستخدمها هذه المرة لإنقاذ حليفه في دمشق من الانهيار.
مع ذلك فلا يجد الناطقون باسم “جبهة المقاومة والممانعة” ما يقولونه عن حروبهم، إن في إيران أو سوريا أو في العراق أو في لبنان، إلا أنهم يحققون “الانتصار تلو الانتصار”، ولا يبقى في نظرهم ألا أن يعترف الآخرون بهزائمهم الكاملة في هذه الحروب لكي تعم المنطقة، وحتى العالم كله، منظومة مفاهيم “المقاومة والممانعة” (ضد من بعد الآن؟!) من جهة وأنظمة الحكم القائمة على أساسها من جهة ثانية.
وهكذا تتحول كل صغيرة وكبيرة، وفي كل بلد من هذه البلدان، الى “انتصار” محقق أو أقله الى إنجاز لا مفر من الاستسلام له. هل نسي أحد بعد دعوة الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله اللبنانيين الى قبول عرضه تشكيل حكومة على أساس صيغة 9ـ 9ـ 6 وإلا فلن يحصلوا على شيء بعد ذلك؟.
آخر ما قيل في هذا السياق، إن التفجير الذي استهدف السفارة الإيرانية في بيروت أخيراً ليس إلا “انتصاراً” آخر، ولو أنه انتصار سلبي هذه المرة. كيف؟، لمجرد أن الانتحاريين فشلا في تحقيق ما كانا ينويان القيام به… أي اقتحام مبنى السفارة وتفجير السيارة المفخخة داخله. فشل الاقتحام، إذاً تحقق “الانتصار”، ويصح فيه هنا أن يكون إلهياً أيضاً!.
قبله كان “انتصار” الاتصال الهاتفي بين الرئيس الأميركي باراك أوباما والرئيس الإيراني حسن روحاني، بينما كان الأخير متجهاً بسيارته الى مطار نيويورك في طريق العودة الى بلاده. ولم تتورع الجوقة يومها عن وصف ما حدث بأنه كان “استجداء” من الأول لمجرد الحديث مع الثاني.
وقبلهما، أو بعدهما لا فرق، جاء “الانتصار” الكبير الآخر بقرار بعض الديبلوماسيين الأوروبيين العودة الى دمشق لمتابعة أعمالهم فيها، ولو بصورة مؤقتة، بعد أن انتقلوا في وقت سابق الى بيروت أو الى عمان أو الى أنقرة. وقد وضعه الممانعون في خانة استعادة النظام لعلاقته مع هؤلاء الديبلوماسيين ومع بلدانهم بعد مرحلة من فقدان الرؤية لديهم… ولكن أولاً وقبل ذلك بعد إعادة إمساك النظام بزمام المبادرة على الأرض في الداخل، وفي السياسة الدولية في الخارج.
حتى أن الخلاف بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة هو “انتصار”، ومثله تبادل طرد السفراء بين مصر وتركيا (المؤيدة للثورة السورية)، ولا يختلف عنه كذلك قيام رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بزيارة لروسيا وقيام وزير خارجيته أحمد داود أوغلو بزيارة بغداد وطهران… حتى لا ننسى زيارة أحد النواب اللبنانيين عن “حزب الله” الى باريس واستقباله بحفاوة هناك.
… وألم يسمع اللبنانيون نائباً آخر من الحزب يقول إن أحداث الجامعة اليسوعية قبل أيام ليست سوى تعبير عن إحباط الخصوم وشعورهم بالهزيمة نتيجة “انتصارات” الحزب وحلفائه في المنطقة وعلى مساحة الكرة الأرضية؟.
لكن لماذا هذا كله؟!.
في علم النفس، إن من يصطدم بجدار مسدود يحاول دائماً أن يعثر على ثغرة في الجدار، حتى إذا وجدها توهم أنه قادر على توسيعها أو أقله على النفاذ منها في محاولته البقاء والمحافظة على وجوده… وتكون في مخيلته عندها نوعاً من الانتصار.
وفي الواقع السياسي، إن بائعي الشعارات لم يتعلموا شيئاً من دروس الماضي ولا حتى يريدون أن يتعلموا لا الآن ولا في المستقبل. في العام 1967، أوهموا الناس بأن هدف الحرب الإسرائيلية على كل من مصر وسوريا والأردن كان إسقاط الأنظمة فيها، وبأن هذه الحرب فشلت لمجرد أن الأنظمة بقيت “صامدة” ولم تسقط. وفي العام 1973، احتفلوا وما زالوا يحتفلون سنوياً حتى الآن بما سموه “انتصار تشرين/أكتوبر”، على الرغم مما يعرفه الجميع عن بقاء الأراضي المحتلة كما كانت قبله.
وفي المرحلة الحالية، هو “الانتصار” مرة أخرى لأن النظامين في إيران وسوريا تمكنا من البقاء، ولو أنهما دفعا ثمن ذلك من قوت ودماء وتهجير الشعبين فيهما (والشعب اللبناني أيضاً؟!)، ومما كانوا يعتبرونه رمز كبرياء الشعبين وعنصر التوازن الاستراتيجي مع العدو: السلاح الكيميائي السوري، والبرنامج النووي في إيران.
وهذا هو معنى “الانتصار” الذي يتحدثون عنه ليل نهار: بقاء أنظمة الشعارات تحت عنوان “المقاومة” في مكان و”الممانعة” في مكان آخر، ومحاربة “الاستكبار العالمي” في كل مكان!.
و”شكراً أوباما”… عفواً “الشيطان الأكبر”!.