الفريق السياسي للجنرالات يعتبر إطلاقهم "النهاية".. فيما المعطيات تؤشر إلى "البداية" الفعلية
استراتيجية المحكمة: مراكمةُ عوامل إحقاق العدالة
من نافل القول إن قرار قاضي الإجراءات التمهيدية لدى المحكمة الدولية الخاصة بلبنان دانيال فرانسن، بناءً على توصية المدعي العام الدولي دانيال بلمار، والقاضي بإخلاء سبيل الجنرالات الأربعة، قد أحدث "صدمة"، لا سيما لدى جمهور 14 آذار.. ذلك الجمهور الواسع والعريض الذي أشار في تشييع الرئيس الشهيد رفيق الحريري كما في انتفاضة الاستقلال بكافة مراحلها، بأصابع الإتهام الى "النظام الأمني" في المسؤولية السياسية والقانونية والإدارية والأمنية والأخلاقية عن هذه الجريمة الإرهابية.
صدمةٌ نعم لكن إحباطٌ لا
على أن "الصدمة" ـ وهي فعليّة ـ لا يجوز في أي حال من الأحوال أن تتحول الى "إحباط" لمسار النضال اللبناني من أجل الحقيقة والعدالة.
ليس هناك ما يُضاف الى المطالعة القانونية لفرانسن بناء على التقرير القانوني المعلّل لبلمار، حيث يتبين أن إطلاق سراح الضباط الأربعة يحصل لأن المدعي العام لم يصل الى لحظة توجيه الإتهام رسمياً الى أشخاص محددين في "ملف الجريمة". وبما أن الإتهام لن يكون متيسراً خلال مهلة تسعين يوماً، فقد وجد القاضيان فرانسن وبلمار أن للضباط أن يستفيدوا من "قرينة البراءة". وبطبيعة الحال، لا تهدف هذه المقدمة الى الاحتجاج على قرار من المحكمة الدولية كانت مطلباً لجمهور 14 آذار وكانت وتبقى موضع ثقته المطلقة، ولا تهدف الى الإتهام والإدانة نيابةً عن المحكمة بعد أن بدأت، لكنّها تهدف بالتأكيد الى وضع الأمور في إطارها الطبيعي.
إطلاق الجنرالات.. في سياق تقدم بلمار
الجميعُ يتذكّر أن التقرير الأخير لبلمار كرئيس للجنة التحقيق الدولية، قبل أن يستلم مهامه كمدع عام، تضمن تأكيداً على حصول تقدم كبير ملموس في التحقيق.. وأن بلمار صرّح بعد إنتقاله الى منصبه الجديد أنه لن يكون جاهزاً للإتهام قبل بضعة أشهر. والمعنى أن لدى بلمار معطيات كثيرة وأنه يتابعها حتى يصبح جاهزاً لإصدار قراره الإتهامي.
وفي هذا الإطار، يصح القول إن الإفراج عن الضباط الأربعة يتم في سياق التقدم الكبير في التحقيق الذي تحدّث عنه بلمار، ويتم في مرحلة الإنتقال صوب الإدعاء وبدء المحاكمة. أي أن قرار إطلاق الجنرالات لا يشكل إعلاناً بأن "الملف فارغ"، سيما وأن الجنرالات الأربعة لم يكونوا أصلاً سوى "جزء" من ملف التحقيق في الجريمة.. لم يكونوا ملفاً بذاته لأن الملف هو الجريمة. ولا يستطيع أحد أن يقنع أحداً بأن إطلاق الجنرالات يساوي إنتهاء المحكمة الدولية.
إستراتيجية المحكمة
بالتأكيد، إن إطلاق الجنرالات الأربعة هو بالنسبة الى فريقهم السياسي نهاية المحكمة. لكنه بالنسبة الى المحكمة نفسها وبالنسبة الى جمهور الحقيقة والعدالة في لبنان ليس له هذا المعنى.. لأن الملف ـ ملف الجريمة ـ سيذهب مباشرةً بعد اليوم الى المحاكمة.
ولعله، في ما يتجاوز الزوايا القانونية ومعاني المصطلحات والمفردات، لا بد من تسليط الضوء على مسألة فائقة الأهمية، إذ يبدو شيئاً فشيئاً أن للمحكمة الدولية بلبنان منذ إنطلاقها رسمياً في الأول من آذار الماضي "إستراتيجية" بالغة الدقة.
نزع الذرائع ومراكمة الثقة
فمن متابعة لمجريات الأمور، يتبين أن بنداً رئيسياً في هذه "الإستراتيجية" هو توفير كل مقومات الإطمئنان الى نزاهتها و"مهنيّتها"، بما في ذلك تضمين نظامها حقوقاً "مفرطة" ـ والتعبير مجازي هنا ـ للمتهمين.
وثمّة بند رئيسي ثانٍ في "الإستراتيجية" هو تحقيق التعاون من جانب كل الدول والجهات مع المحكمة، وذلك بإلغاء أي ذرائع يمكن استغلالها للتملّص من التعاون أو لتعقيد عمل المحكمة.. بما في ذلك تقديم "تسهيلات" ـ والتعبير مجازي أيضاً ـ لتحقيق هذا التعاون.
والبند الرئيسي الثالث في "الإستراتيجية" هو التركيز على تجنيب لبنان مضاعفات ـ من شتى الأنواع ـ فيما لو جرى اعتماد أسلوب "القيادة السريعة".
باختصار، لا مفر من القول أن البنود الثلاثة السالفة تفيد أن "الاستراتيجية" تنهض على "مبدأ" مراكمة عوامل الثقة بالمحكمة الدولية ومعطيات تأكيد نزاهتها، كما تنهض على "مبدأ" الذهاب "دفعة واحدة" في وقت محدّد الى الأساس، وهو الادعاء على متّهمين وجلبهم الى المحكمة ومحاكمتهم.
نحو الذهاب الى "الأساس"
إن هذه "الاستراتيجية" التي تُظهر حرص المحكمة الدولية على عدم "التعثّر" منذ "الدعسة الأولى"، تشكّل بلا جدال ضمانةً للمحكمة وللحقيقة وللعدالة. وفي إطار تلك "الاستراتيجية" جرى إطلاق الجنرالات. قد يكون هؤلاء غير متّهمين بالجريمة، وقد يكونون أقل أساسيةً من غيرهم فيها، وقد يستدعون الى المحاكمة.. وهذا ما أكده بلمار إذ لفت الى إمكان استدعائهم في حال توافرت لديه معطيات في أي وقت لاحق. فبالنسبة الى المحكمة بمنظور استراتيجيّتها، ثمة من هم مشتبهون ومَن سيتمّ اتهامهم في وقت لاحق. وبالفعل، عندما يُطلق الجنرالات الأربعة، فإن ما تقوله المحكمة الدولية هو إن هناك معطيات لـ"البدء" باتهام غيرهم. لكنها ـ أي المحكمة ـ لا تقول إن الموضوع انتهى.
8 آذار والاستخدام السياسي
صحيح أن الجنرالات خرجوا من التوقيف غير متهمين.. أي أبرياء قانوناً طالما لم يتّهموا ولم يحاكموا ولم يدانوا. لكن المهمّ أن ينتظر اللبنانيون المرحلة أو المراحل التالية. فثمة ما هو مؤكد: إن المحكمة نشأت لإحقاق العدالة ولن تتوقف قبل إحقاقها. ولذلك، وبصرف النظر عن "المشاعر" حيال الجنرالات رموز النظام الأمني البائد، لا بد أن تبقى القناعة راسخةً بالمحكمة وبنزاهتها وبعدالتها.
سيشهد البلد مفارقةً عجيبة، هي مفارقةُ الاستخدام السياسي لقرار قاضي الإجراءات التمهيدية من جانب فريق 8 آذار الذي اتّهم المحكمة بأنها مسيّسة واتهم 14 آذار وجهات خارجية بتسييسها. والردّ على هذه المفارقة هو: إذا كنتم سعداء بقرار فرانسن، إبقوا على سعادتكم تجاه المحكمة حتى تصدر أحكامها.
فالمحكمةُ إنطلقت "رسمياً" في الأول من آذار لكنها "بدأت" أمس "فعلياً".