في المبدأ، هذا الحراك مثالي. فالوقت يضغط، ويتلهّى الجميع عن الإستحقاق بشؤون اللحظة. ويعتقد البعض أنّ هناك مَن يريد إبقاء الملف الرئاسي بعيداً من التداول لكي يفرض خياراته في اللحظة الأخيرة. وإذا إستمرّ الأمر كذلك، فسيكون الإستحقاق في خطر، والرئاسة ربما، والمؤسسات كلها. ويمكن إعتبار الحراك “المستقبلي” وقائياً، قبل 3 أشهر فقط من دخول المهلة الدستورية، و5 أشهر من نهاية الولاية.
لكن كثيرين يعتقدون أنّ بكركي تُحاذر الوقوع في التجربة الرئاسية مرّة أخرى. ولذلك هي تحاول أن تتعاطى مع الملف في كثير من الحذر. وتكفي العودة إلى تجارب الإنتخابات الأخيرة لطرح التساؤلات:
في تشرين الثاني 2007، كان الرئيس بشّار الأسد لاعباً أكثر قوة في صناعة الشأن اللبناني. وتحرَّكت باريس عبر الأمين العام للرئاسة الفرنسية كلود غيان بين دمشق وبيروت لتسهيل حصول الإستحقاق. وإقترح الأسد على غيان أن يطرح البطريرك مار نصرالله بطرس صفير أسماءً عدة، يتم التوافق على أحدها بين الرئيس نبيه برّي ورئيس تيار “المستقبل” سعد الحريري.
ونقل غيان إلى بكركي رسالة من الرئيس نيكولا ساركوزي تتمنّى عليه وضع لائحة بخمسة أسماء. لكنّ البطريرك تحفّظ إزاء فكرة من هذا النوع لأنه يريد أن يضمن إحترام رغبته إذا طرح الأسماء، ولأنّ اختياره أسماء معينة دون أخرى ستثير عتب الآخرين. فلا شيء يبقى طيَّ الكتمان في لبنان.
وكان صفير يتخوَّف من تكرار التجربة التي إصطدم بها عشية إنتهاء ولاية الرئيس أمين الجميّل في العام 1988. فآنذاك قدَّم لائحة مرشحين، ولكن جرى إهمالها، وفُرِضت تسمية النائب السابق مخايل الضاهر. وهذا ما أوقع لبنان في مأزق كبير، ودفع المسيحيّين إلى مواجهات داخلية دراماتيكية.
ولكن، وأمام الإصرار الفرنسي في العام 2007، سلّم البطريرك صفير وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير، في كثير من التحفُّظ، لائحة من ستة مرشحين. ثم أضيف إليها اسم سابع. ولكن، برّي والحريري لم يتّفقا على أيّ من أسماء اللائحة البطريركية، فتعطّل الإستحقاق، ووقع الفراغ إلى ما بعد تسوية الدوحة.
وهذه التجارب عاشها البطريرك الراعي عن كثب، ولا بدّ أنه يتعمّق اليوم في تفحُّص معانيها، ويعمل لتجنّب الوقوع في الخيبة. فالصرح البطريركي لم يعد يتحمَّل مواجهات لا طائل تحتها، خصوصاً بعد التجربة المريرة التي خاضها الراعي حديثاً مع قانون الإنتخاب. فقد جرى التلاعب من هنا وهناك بمواقف بكركي. وتبيّن أن أحداً من الفاعلين لا يريد فعلاً إنتاج قانون يتيح التمثيل المناسب للمسيحيين، لا عبر مشروع “اللقاء الأرثوذكسي” ولا سواه. وفي النهاية جرى تعطيل الإنتخابات.
واليوم، قد تكون بكركي أمام عملية مماثلة في الملف الرئاسي. ولذلك، عندما يسمّي الراعي سبعة مرشحين للرئاسة، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، فهذا يعني أنه يريد الخروج من مأزق التسمية بلا إحراج. فتسمية الجميع تُشبه اللاتسمية، علماً أنّ بكركي تعمَّدت لاحقاً التخفيف من أهمية ما جرى تداوله حول اللائحة.
فالموسم خريف. وفيه تتساقط الأوراق والأسماء تلقائياً. أما الأوراق القوية، من داخل اللائحة أو خارجها، فتنتظر الربيع… إذا أتيحَ للبراعم أن تنمو.