قراءة ثانية في تداعيات اطلاق الضباط الاربعة
المحامي جورج ابو صعب
بعدما تناولنا في المقال السابق وعلى "دمها" كما يقال ما شهدته الساحة اللبنانية من هستيريا اطلاق الضباط الاربعة في ظل مفاهيم قانونية وسياسية وقضائية مقلوبة (كما كل شيء) لدى 8 اذار وقواه الحية، نرى في هذه المرة ان نتوقف عند الاتي:
اولا: لقد أطلق اللواء الخارج من تجربة لطالما زج الاخرين بها يوم عزه وحكمه السامي للبنان في ظل النظام الامني اللبناني السوري في عهد الوصاية، سهامه السامة مجددا وهو أبى الا وان ينكأ الجراح مجددا مع انها كبيرة و كبيرة جدا لدى القوات اللبنانية والدكتور سمير جعجع شخصيا وان لم يقل ذلك ولم يشأ اثارة اعتباراته الشخصية لشهامته المعهودة.
فاللواء جميل السيد ليس شاوول طريق دمشق الذي اعتنق المسيحية يوم ظهر عليه السيد المسيح لسؤاله عن سبب اضطهاده له في الجيش الروماني، ولن يكون للاسف هذا الشاوول الممتلئ ندما ونعمة التواضع والاعتراف بالاخطأ … لا بل الجرائم والفظائع التي ارتكبها في ظل ولايته الدكتاتورية يوم كان هو السلطة وهو المتسلط عليها والمكابر والمستبد لا يعرف حدودا لاحترام الرؤساء ولا حدودا لاملاء السياسات على الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وهو وان ظنينا خطا انه تغير طوال السنوات العجاف التي قضاها في سجنه الا انه تغير في امر واحد اراه ايجابيا، انه بات يتقبل ان ينتقده او يدعي عليه اي احد وهو الذي اطلق بالامس التحدي بان يدعي عليه من يشاء من الان وحتى الانتخابات المقبلة ان كان لدى اي كان اي شكوى او ادعاء عليه.
ونحن نرى انه ربما ليست بالفكرة الخاطئة وربما كان من المفترض بنا جميعا ان ندعي على اللواء لان سجله حافل بالمأثر والخطايا وقهر الاخرين، فالتحدي الذي اطلقه اللواء السيد خطير بحيث ان بقاؤه من دون جواب او ترجمة عملية قد يعطيه حيزا كبيرا من البراءة المعنوية بعدما اعطاه اطلاقه امس الحيز القانوني.
ثانيا: بالنسبة للمواقف السياسية والانقلابية على السلطة والقضاء، نرى ان المواقف تلك خرقت بشكل فاضح كل المعايير والاسس القانونية والنظامية لضبط الدعاية الانتخابية وممارسة النشاط الدعائي الانتخابي بالاضافة الى كونها خرقت بصورة فاضحة لا يرقى اليها الشك اتفاق الدوحة حتى قبل انتهاء الانتخابات النيابية. فاذا لاطلاق سراح ضباط وحصل ما حصل من هجوم سياسي شامل على قوى 14 اذار والقضاء والدولة فكيف اذا كسبت 8 اذار الانتخابات، لا نرى انها ستلتزم لحظة بما تعد به من انها ستحافظ على روحية اتفاق الدوحة قبل نصوصه.
فما حصل بالامس في لبنان اثر اطلاق الضباط الاربعة لا يجب ان يمر مرور الكرام لان ما حصل جسد حالة انقلابية بكل معنى الكلمة أطاحت بمواثيق الشرف ووعود التهدئة واتفاقات الحوار والعهود والوعود. حتى خيل لنا بعد حين باننا امام اعلان تعبئة عامة شعبية سوف تنقض على الناس على غرار 7 ايار المشؤوم او كانه البلاغ رقم (1) الذي ينقض على السلطة والدولة والقضاء. ولعل اخطر ما سجل في هذا الاطار الهجوم المباشر على القضاء وكلنا يذكر ان ايام الوصاية السورية والنظام الامني اللبناني السوري الذي كان المحتفى باطلاقهم بالامس من ابرز الرموز ولا سيما اللواء جميل السيد قد دفع اثناء زمن الوصاية بقانون يحرم التهجم على القضاء والمس به تحت طائلة العقوبات والمسؤوليات القانونية.
ويومها كان المطلوب التعامي عن جرائم قضائية خطيرة وفضائح وطنية كان القضاء مسرحها ليس اقلها فضيحة المحاكمات السياسية للدكتور سمير جعجع واضطهاد شباب القوات اللبنانية والتيار العوني كما في 7 اب المشؤوم. ومع ذلك منع على الناس التوجه للقضاء ولو بملاحظة لانه كان قضاء مطواعا للسلطة المحتلة واحدى الادوات التنفيذية لسياسات النظام الامني اللبناني السوري. اما اليوم فيكفي القضاء فخرا بانه يبيح لامثال تلك الرموز ذات التوجه السوري في لبنان الانتقاد الى حد التجريح والهجوم على السلطة القضائية من أعلى الهرم الى ادناه، رغم ان في ذلك اليوم ايضا ظاهرة خطيرة يجب عدم السكوت عنها، ولكن بديمقراطية ومحاسبة مؤسساتية لكل من تطاول على السلطة القضائية في مواقفه واتهاماته الفارغة المضمون.
نعم ندعو الى المحاسبة القانونية لكل تلك الابواق الانقلابية التي انطلقت بالامس ضد القضاء اللبناني للتجريح والنيل من سلطة القضاء والدولة والقانون في البلاد بما تجاوز مجرد ابداء الراي الى ما اصبح محاولة انقلاب واطاحة اعلامية وسياسية وشعبية بالنظام العام وسلطة القضاء والدولة واثارة النعرات الطائفية والمذهبية والعصبيات بين اللبنانيين. لان اي سكوت على ما حصل اقله ضد القضاء سيسقط بصورة مروعة الهيبة الكاملة والاساسية للقضاء الحصن المنيع للدولة ولسيادة القانون والعدالة. كما ندعو وزارة الداخلية والهيئة الوطنية المشرفة على الانتخابات وعلى الدعاية الانتخابية لاصدار تقريرها الموضوعي بالمخالفات والخروقات الاعلامية المعارضة التي سجلت خلال حفل اطلاق الضباط الاربعة وموافاة الرأي العام اللبناني بحصيلة هذا التقرير وهذه المخالفات.
ثالثا: ان همروجة التخوين والتخويف واللعب على المعنويات التي حصلت امس من خلال الابواق اللبنانية – السورية الاعلامية والسياسية القديمة الجديدة في لبنان ضد 14 اذار والسلطة والدولة والقضاء، اثبتت بالدليل القاطع ان قوى 8 اذار ليست مستعدة بعد لتجاوز مرحلة التبعية للنظام الامني السوري اللبناني لا بمنطقه ولا بمظاهره ولا بسياساته المظلمة. فتصاريح الرموز الاستعمارية السورية في لبنان والاعلام المندس غير المسؤول الذي واكب هذه الهستيريا الجماعية ضد كل ما هو نظام ودولة وسلطة وشرعية ودستور، تؤشر الى ما يمكن ان يحصل في حال فشل 8 اذار في الانتخابات النيابية، من تخوين واستهداف للقضاء والدولة وامكانية النزول الى الشارع رفضا للنتائج اذا ما اقتضى امر 8 اذار ذلك للانقلاب على النتائج والقانون والدستور والدولة واسقاط الشرعية في الشارع وعبر وسائل الاعلام، مستبيحة كل المحرمات ومواثيق الشرف وغير الشرف. لذلك ندعو قوى 14 اذار والسلطة اللبنانية الشرعية بكافة مكوناتها ومؤسسات الدولة جميعا الى التبصر والى التفكير بما حصل وبما يمكن ان يحصل لاستخلاص العبر والاعداد للمرحلة الانتخابية باكبر نسبة من الوحدة والانسجام بين قوى 14 اذار ورص الصفوف وتناسي المناكفات المؤسفة والمؤلمة، لحماية هذا الاستحقاق قبل وبعد حصوله وللوفاء لدماء الشهداء الذين يتعرضون اليوم للتسخيف والاستهتار والمتاجرة الانتخابية من قبل تجار الهيكل من قوى 8 اذار، سيما وان النوايا المعلنة لم تترك للصلح مكانا ولا تدعو للتفاؤل كثيرا.
فاذا كانت المحكمة الدولية من خلال قاضي الاعمال التمهيدية وبمهنيتها العليا والسامية والموضوعية لم تجد "حاليا " ما يدين الضباط الاربعة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، الا انه يجب ان لا يغيب عن بال هؤلاء الضباط وخصوصا بعضهم انه في قلب وصميم الالاف من اللبنانيين قرار ظني اتهامي صدر ضدهم منذ سنوات وسنوات وترك على مذبح محاسبة العلي القدير الحكم والحاكم الاسمى للمحاسبة الكبرى يوم الحساب الاخير.