“لحظة الحقيقة إقتربت في سوريا إذ إن الأزمة دخلت، بقطع النظر عن التطورات العسكرية على الأرض، مرحلة العمل على تطبيق التفاهم الأميركي – الروسي – الدولي – الإقليمي الهادف الى تشكيل قيادة جديدة لسوريا الجديدة”. هذا ما قاله لنا مسؤول دولي في باريس معني بالملف السوري.
وأوضح “ان القيادة الروسية والإدارة الأميركية حرصتا على إبلاغ كل من نظام الرئيس بشار الأسد وقيادات المعارضة ان الأفرقاء السوريين يواجهون أحد خيارين: اما مواصلة حرب تلحق المزيد من الكوارث بسوريا ولن يستطيع النظام أن ينتصر فيها مهما فعل كما ان المعارضة لن تستطيع إسقاطه من طريق القدرة العسكرية وحدها، واما الرضوخ لمتطلبات وشروط الحل السياسي للأزمة المدعوم دولياً وإقليمياً على نطاق واسع والذي يرتكز على التطبيق الكامل لبيان جنيف المؤرخ 30 حزيران 2012 والمشاركة على هذا الأساس في المؤتمر الدولي الذي يحمل إسم جنيف – 2 والمفترض عقده في 22 كانون الثاني 2014، إستناداً الى ما أعلنه الأمين العام للأمم المتحدة بان كي – مون رسمياً بناء على طلب واشنطن وموسكو”. وقال المسؤول الدولي “إن بيان جنيف واضح جداً في مضمونه وأهدافه إذ ان تطبيقه يؤدي الى إنهاء حكم الأسد وتحقيق المطالب المشروعة للشعب السوري بكل مكوناته والأهداف الأساسية للثورة الشعبية وقيام نظام جديد مختلف جذرياً عن النظام القائم”. وركز المسؤول في هذا المجال على الأمور الرئيسية الآتية:
أولاً – إن بيان جنيف لم ينص على بقاء نظام الأسد وحل الأزمة من طريق التعاون والتفاهم معه وتنفيذ مطالبه، بل انه يدعو بوضوح الى إنتقال سلمي للسلطة “يحقق الآمال المشروعة للشعب السوري ويسمح له بتقرير مستقبله بنفسه بشكل مستقل وبطريقة ديموقراطية”. كما ان البيان يشدد على “رغبة السوريين العارمة في قيام دولة ديموقراطية تعددية” تسمح بإجراء إنتخابات حرة وعادلة على أساس التعددية الحزبية والممارسة الديموقراطية وتضمن فرصاً متساوية لجميع أبنائها. وهذا لم يحدث في سوريا منذ أكثر من خمسين عاماً.
ثانياً – إن بيان جنيف لم ينص على بقاء السلطة التنفيذية الحالية بل ينص على تغييرها إذ يقول ان الخطوة الأولى الضرورية لضمان إنتقال السلطة الى نظام جديد هي تشكيل حكومة إنتقالية تضم ممثلين للنظام والمعارضة على أساس قبول متبادل “وتمارس السلطات التنفيذية الكاملة” وتخضع لها الأجهزة العسكرية والأمنية بعد تعيين قيادات جديدة لها تحظى بثقة السوريين. والأسد هو الذي يمارس السلطات التنفيذية والعسكرية والأمنية الكاملة مما يعني ان المطلوب منه التخلي عنها ونقلها الى هذه الحكومة الإنتقالية.
ثالثاً – إن بيان جنيف تجاهل كلياً الأسد ولم يأت على ذكره ولم يمنحه أي دور في تحقيق الحل السياسي بل انه يمنح الوسيط الدولي (والمقصود هنا الممثل الخاص المشترك للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية في سوريا الأخضر الإبرهيمي) الدور الأساسي في إدارة الحوار وحل الأزمة، إذ انه يطلب من الأفرقاء السوريين التعاون معه من أجل إنجاز تسوية للنزاع تحقق الآمال المشروعة للشعب السوري.
رابعاً – إن بيان جنيف لم يصف الثوار والمعارضين السوريين بالإرهابيين والتكفيريين كما يفعل النظام ولم يطلب وقف الدعم الخارجي لهم بل انه يكرس المعارضة السياسية والمسلحة (المعتدلة) شريكاً أساسياً في عملية نقل السلطة الى نظام جديد.
خامساً – إن بيان جنيف يطلب من القيادة السورية تقديم تنازلات أساسية من أجل إطلاق عملية الحل السياسي للأزمة، إذ يدعو الى وقف عمليات الإقتتال من أجل توفير “أجواء آمنة ومستقرة وهادئة” تساعد على إنجاز الحل السياسي، ويطلب من الحكومة السورية الإفراج عن المعتقلين واحترام حق التظاهر السلمي للمواطنين وحرية التحرك للإعلاميين وضمان وصول المساعدات الإنسانية الى جميع المحتاجين.
وأشار المسؤول الدولي الى انه “ليس ممكناً تغيير النظام السوري جذرياً وابقاء الأسد والقيادة الحاكمة. ولهذا السبب يرفض الأسد تطبيق بيان جنيف. لكن هذا البيان هو المشروع السياسي الوحيد المتفق عليه دولياً وإقليمياً على نطاق واسع من أجل حل الأزمة. والواقع ان الهدف غير المعلن لأميركا وحلفائها هو الإعتماد على جنيف – 2 من أجل إطلاق عملية تفاوضية تؤدي الى إيجاد ديناميكية جديدة تظهر لكل الأطراف ان رحيل الأسد شرط أساسي وضروري لإنهاء الحرب وحل الأزمة. وحينذاك ستكون القيادة الروسية مستعدة للتخلي عن الأسد وإقناعه بالرحيل مع المرتبطين به، خصوصاً ان المسؤولين الروس يقولون في إجتماعاتهم المغلقة مع الأميركيين إنهم لم يتزوجوا الأسد وليسوا متمسكين ببقائه في السلطة وان ما يهمهم ليس مصير شخص بل التعاون مع الدول المؤثرة الأخرى من أجل إنقاذ سوريا”.