سماحة السيد حسن نصر الله
الأمين العام لـ«حزب الله» حفظه الله.
لم يكن أمامي، أنا المواطن اللبناني، من خيار، غير ان أوجه الى سماحتكم هذا الكتاب المفتوح، عبر الاعلام… فنحن نعرف خصوصية ودقة وضعكم، وصعوبة، بل استحالة التواصل واللقاء بسماحتكم، للظروف والأسباب إياها، التي يقر بها ويعترف الجميع، من أجل إسماعكم بعض رأي العامة من اللبنانيين، في كل ما يجري في لبنان والمنطقة من تطورات غير مسبوقة، إلا في الحالات النادرة والظروف العصيبة… وهي تطورات بالغة الدقة والخطورة، تحط بكامل ثقلها وتهدد الجميع بمخاطر حقيقية، لا يفيد منها سوى أعداء هذا الوطن وهذا الشعب، إن لم يؤتَ لهذا البلد، الذي فضله علينا جميعاً، من يتقدم الى الامام، ويكون قادراً على سحب فتائل التفجير، وتوفير كل أسباب الأمن والاستقرار والهدوء والطمأنينة، من أجل ألا نقع جميعاً في فخ الفتنة التي يعمل لها، في دوائر «لعبة الأمم» منذ عقود، ولم تعد خافية المصدر والأدوات والشعارات على أي أحد…
سماحة السيد
إن التطورات الحاصلة على امتداد ساحة المشرق العربي، من العراق الى سوريا ولبنان، وفلسطين، وما يرافقها من تسريبات عن سيناريوات تتجسد على أرض الواقع اصطفافات مذهبية – طائفية – اتنية، وتوترات أمنية وتفجيرات انتحارية ومواجهات حصدت مئات الآلاف، تحتم علينا مصارحتكم، بل ومناشدتكم، ان تعيدوا قراءة وتقييم ما يجري، لاسيما على الساحتين السورية واللبنانية، ومكاشفة الشعب واتخاذ الاجراءات المطلوبة التي تسهم في توفير الحد الأدنى من الشروط الكفيلة بسد الذرائع وقطع الطريق على كل الذين يضمرون شراً بهذا الوطن، هذا مع العلم ان يما يجري في لبنان، ليس أين ساعته، وهو سابق لتطورات المنطقة، بحكم تركيبته الديموغرافية – السياسية الهشة، التي أضاعت الطبقة السياسية فرصة الانتقال بها من الولاءات المريضة، الطائفية والمذهبية، والمناطقية، الى الانتماء الى الوطن، وتعزيز الدولة المدنية العادلة والقادرة… وان كانت هذه التطورات تغذّت، وعلى مدى عقود، من الانقسامات الاقليمية – العربية – والاسلامية، كما تعززت بفعل «لعبة الأمم» وسياسة «الشرق الأوسط الجديد» وتركت تداعياتها على الوضع في لبنان، على نحو لافت، (وقد أعلنتم ذلك صراحة عبر العديد من طلاتكم على الجمهور) من أجل توفير القناعة الدولية الكافية لتكون فلسطين «دولة لليهود» وسط بيئات مذهبية وطائفية متناحرة ومتنابذة، تكون لـ«إسرائيل» اليد العليا فيها…
إننا يا سماحة السيد، بتنا نحار فعلاً كيف نعيد الاعتبار لقضية فلسطين، باعتبار أنها قضية شعب ووطن وأمة، ولا يحق لأي شخص، ولا لأي فريق، ان يتصرف بما يلغي او بما يمكن ان يلغي سيادتها على أرضها ووطنها… وكيف يمكن تسويق هذه القضية في عقول ووعي الأجيال الطالعة، ونحن نرى «قيادات» يغالون في التقرب من العدو ولا يخجلون في مد اليد اليه، وهو يمعن في قتل شعبنا وتهجير ما تبقى، واقتلاع أصحاب الارض الشرعيين من أرضهم وبناء الآلاف من المستوطنات…
من أسف، ان «العدو» بات وجهة نظر، هذا مع العلم ان الخطر الوجودي قائم علينا جميعاً، مادام هذا العدو موجوداً: «ولتجدن أشدّ الناس عداوة للذين آمنوا، اليهود والذين أشركوا… ولتجدن أقربهم مودة، الذين قالوا إنا نصارى، ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون…».
إن إدارة الظهر للعدو شكلت مفصلاً قاتلاً… صحيح ان لبنان ليس جزيرة معزولة عن المحيطين العربي والاقليمي، وليس بقعة في الفضاء الخارجي ليكون بمنأى عن كل ما يجري… لكن من المفيد الاشارة الى ان هذا البلد، الصغير بحجمه، البالغ التأثير في دوره، شعباً و«دولة» ما عادت تحمل من مفاهيم الدولة غير الاسم وهي في طريقها الى الاحتضار الكامل، لصالح الدويلات الطائفية والمذهبية التي تتعزز يوماً بعد يوم، واقتصاداً وأمناً، دفع الكثير الكثير، مما هو فوق طاقاته وقدراته في سبيل القضية المركزية – قضية فلسطين… وما اصطلح على تسميته بـ«الصراع العربي – الاسرائيلي» الذي فقد الكثير من مضمونه، وتراجعت معه قضية فلسطين، كقضية شعب ووطن وأمة ومصير وحقوق تاريخية وقومية الى الخطوط الخلفية… هذا مع العلم ان انقاذ فلسطين، هو أمر لبناني في الصميم، كما هو أمر سوري في الصميم، كما هو أمر عراقي في الصميم، كما هو أمر فلسطيني في الصميم، وعربي – إسلامي في الصميم…
أليس لافتاً يا سماحة السيد، ان هذه القضية المصيرية، باتت في آخر اهتمامات «الجميع»، من دون استثناء، من غير ان تغيّر «إسرائيل» في مفهومها وفي مضمونها، وفي عقيدتها، وفي سلوكها… وهي كانت وماتزال تمثل خطراً وجودياً قائماً علينا جميعا…؟! لكن السؤال ماذا فعلنا؟ وماذا نفعل بأنفسنا؟ وكيف نتعامل مع بعضنا العبض؟.
تكفي نظرة الى كل ما يجري في داخلنا ومن حولنا، من المحيط الى الخليج، لنرى كم بلغ الانحراف السياسي والعقدي والايماني والانساني والحقوقي، حيث شعوبنا، ودولنا، او ما تبقى منها، إما منشغلة بأزماتها الداخلية، التي ما ان تخبو في مكان، حتى تنفجر من جديد وإما بمسائل أخرى، ليترك المستضعفون من شعبنا، في فلسطين وخارج فلسطين، يقلعون الأشواك بأياديهم، والبنادق نوجهها الى صدور بعضنا البعض، والعدو يسرح ويمرح، ويعيش عصره الذهبي… و«قياداتنا»، او المفترض أنها قيادات، منشغلة بالصراع على السلطة، ولمن تكون وكيف تكون وعلى حساب دماء من تكون، وهو صراع، أيا كانت الدوافع اليه وأسبابه، يجب ان لا يطغى على الدور الأساس، فتسيل الدماء، وتتهدم الأوطان، وتباد شعوب وتتفاقم الانقسامات والاصطفافات الفئوية، الفتنوية التي تتمدد وبتنا نعيشها بتفاصيلها هنا في لبنان… ومن أسف، ان «المقاومة» لم تعد بمنأى عنها…؟! (يتبع)