|
نيلسون مانديلا أسطورة على الأرض، لا في الكتب. وليس لشخصيته شبيه في العالم الواقعي ولا في الأساطير. فهو النموذج المعاكس للأسماء الكبيرة التي تغيرت بأكثر مما غيرت في رحلة الانتقال من القتال والسجون الى القصور. وهو المثال الفريد الذي تعالى على الاضطهاد بالمصالحة، فلم يقلد جلاديه في القسوة. قصة حياته ليست فقط ملحمة عبور الطريق الطويل الى الحرية، وهو عنوان سيرته الذاتية، بل أيضاً تعليم الحاكم والمحكوم درساً مهماً في ممارسة الحرية. وصدمة رحيله تركت العالم يتيماً على مائدة اللئام من حكام طواويس.
معجزة مانديلا ليست فقط أنه أسقط نظام التمييز العنصري في جنوب افريقيا بعد ٣٤٢ سنة من حكم الأقلية البيضاء للأكثرية السوداء بل أيضاً انه لم يشأ اقامة نظام تمييز عنصري معاكس. وانجازه هو تأليف لجنة الحقيقة والمصالحة لكشف كل الجرائم التي حدثت، بحيث تكون المصارحة الطريق الى المصالحة والمسامحة. فالشجاعة، في رأيه، ليست غياب الخوف بل التغلب عليه ودفع الآخرين الى التحرك. أما المبدأ في القيادة، فإنه كن وقت الخطر في المقدمة، وكن وقت الاحتفال بالنصر في المقعد الخلفي. وأما في ممارسة السلطة، فإنه احفظ أصدقاءك على مقربة منك، وأعداءك على مقربة أكثر.
ذلك أن مانديلا الذي انخرط في العمل السلمي ثم العمل المسلح في صفوف المؤتمر الافريقي الوطني وقضى ثلث قرن في السجن من أصل حكم بالمؤبد، قال بعد الافراج عنه: اذا ذهبت الى السماء فسوف أفتش عن مكتب الحزب للانضمام اليه. وهو واحد من سلسلة مناضلين وسجناء سياسيين في بلدان العالم. لكنه الوحيد الذي لم يخرج من السجن للثأر بل للتسامح وبناء الحياة. وليس قليلاً عدد الذين وصلوا من هؤلاء الى السلطة فلم يغادروها الا الى القبر أو السجن. لكن مانديلا هو الوحيد الذي تخلى عن الرئاسة بعد ولاية واحدة.
والواقع في افريقيا ناطق. مانديلا أكمل طريقه الى الحرية بشق طريق جنوب افريقيا الى الازدهار الاقتصادي والديمقراطية السياسية، بحيث صارت من دول البريكس، وروبرت موغابي الذي قاد زيمبابوي الى الاستقلال أصر على البقاء في الرئاسة وممارسة السلطة بالاستبداد ولو صارت البلاد جائعة وخائفة ومضروبة بالعنف والأمراض. كذلك في بلدان الشرق الأوسط، حيث يبقى الحكام المستبدون على الكراسي، مهما كبرت معاناة الشعوب وصرخاتها وتهدم العمران في البلدان.
وليس بالحزن وحده يودع العالم الرجل الذي سمي أيقونة العصر وقيل انه قديس علماني. فالأيقونة باقية. والقديس العلماني يرحل عن عالم يسود فيه القتل باسم القداسة، والاستبداد باسم العلمانية.
|