الباحث كوليك: إسرائيل ستستهدف عمق منطقة بعلبك وبيروت في المراحل الأولى من المواجهة المرتقبةكتب امير كوليك، عضو معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، في تقدير استراتيجي صنف بـ «الأهم» مطلع العام 2008، وعنوانه «حزب الله والحرب المقبلة»، ان الحرب بطبيعة الامر حدث يثير الاسى. «في مرات كثيرة مع نشوب المعركة تبلغ مسارات مختلفة نهايتها وتبدأ بدلا منها مسارات جديدة. ليست حرب لبنان الثانية شاذة عن هذه القاعدة. ترك القتال العنيف الذي جرى في أنحاء لبنان وعمق اسرائيل، اثره القوي في البلدين؛ تلحظ آثاره من الجهة الوطنية، والسياسية، والعسكرية والاجتماعية في اسرائيل، ووراء الحدود ايضا بطبيعة الامر».
وقال في المقدمة «ان الهدف من هذا البحث ان نحلل تأثير حرب لبنان الثانية في تصور حزب الله العسكري والوقوف على مسار اعادة بناء قدراته في السنة الماضية لمحاولة الاشارة الى مميزات الحرب المقبلة في لبنان والمعاني المشتقة من ذلك عند الجيش الإسرائيلي وفي الدولة العبرية نفسها».
وتابع ان «منذ نهاية عملية عناقيد الغضب في ابريل 1996 الى حرب لبنان الثانية في يوليو 2006 استعد حزب الله، بمساعدة قوية من ايران، للمواجهة المقبلة مع اسرائيل. كان ازاء ناظريه عدد من الفروض الاساسية استعلمت اساسا لبناء قوته العسكرية. واشتقت هذه الفروض بطبيعة الامر من جولات القتال السابقة وتطورات عسكرية وسياسية مختلفة. وقف في مركز تصور المنظمة التنفيذي، افتراض ان المجتمع الاسرائيلي ضعيف غير قادر على تقبل عدد كبير من المصابين. وهذا الضعف هو الذي افضى كما رأى حزب الله الى انسحاب الجيش الاسرائيلي من جنوب لبنان (الشريط الامني). عبر حسن نصرالله عن هذا التصور تعبيرا صريحا بخطبة النصر التي خطبها في 26 مايو 2000 في بلدة بنت جبيل؛ وفي خطبته شبه قوة المجتمع والجيش الاسرائيلي بخيوط العنكبوت».
واوضح الباحث المعروف بميله نحو اليسار: «من أجل استغلال نقطة الضعف هذه، كان هدف حزب الله التنفيذي الرئيسي اجراء حرب استنزاف للجبهة الداخلية، معتقدا أن تحطيم قدرة صمود اسرائيل سيفضي بالضرورة الى وقف القتال بشروط مريحة له. على الصعيد العملي، بدا ان فرض العمل الرئيس لقيادة حزب الله، الذي صيغ في الجولات القتالية السابقة مع الجيش الاسرائيلي، افاد بان اسرائيل ستكتفي ازاء تهديد الصواريخ، باستعمال كثيف لسلاح الجو وبعمليات برية محدودة. اشتق من هذا التصور التنفيذي عدد من المعاني الرئيسة في كل ما يتصل ببناء قوة المنظمة العسكرية».
واشار الى ان «حزب الله أنفق أهم امكاناته في بناء نظام صواريخ واسع، يشتمل على صواريخ يزيد مداها على 100 كيلومتر. وبافتراض ان اسرائيل لن تقوم باجراءات برية ذات شأن جنوب نهر الليطاني، تم حصر اساس الكتلة التنفيذية للحزب في هذه المنطقة، واشتملت الى الصواريخ ايضا، على نظام تحت الارض (انفاق وملاجىء) ونظام قواته المشاة ومضادات للدبابات ضئيلة نسبيا».
وكتب كوليك: «امتحنت حرب لبنان الثانية تصور حزب الله التنفيذي والفروض الاساسية التي اقامت عليها المنظمة بناء قوتها العسكرية. اليوم وعقب تصريحات مختلفة لنصرالله، يتضح ان توقيت القتال وقوته فاجآ قيادة المنظمة. مع ذلك تبين من الوجهة العسكرية أن المنطق التنفيذي الذي قام في أساس عمل حزب الله كان صحيحا. هكذا منذ لحظات القتال الاولى حتى نهاية المعركة اطلق الحزب على التوالي صواريخ على اسرائيل لاستنزاف قوة الجبهة الداخلية. واستعمل الجيش الاسرائيلي، على وفق تقدير المنظمة، قوة جوية كثيفة ردا على ذلك. ونفذت اعمال برية في نطاق ضيق وبجوار الحدود في الاساس. وتبين ايضا أن النشر التنفيذي للمنظمة جنوب الليطاني كان صحيحا، لان الجيش لم يعمل على الارض (ما عدا عمليات خاصة) خارج هذه المنطقة. في نهاية القتال تعرض حزب الله لاجراء واسع النطاق اشتمل على دخول قوات برية كثيرة وانزال اخرَ بجوار الليطاني. مع ذلك تم من الناحية العملية تنفيذ هذا الاجراء في وقت كان أشد تأخرا من ان يؤثر في قتال المنظمة».
وتابع: «من الواضح ان ميزان حزب الله للربح والخسارة مع نهاية المعركة، مختلط. فمن الوجهة السياسية، ورغم محاولته تصوير المعركة على انها انتصار الهي، تلقى نقدا شديدا في الداخل. وفوق ذلك، اصيبت بنى تحتية عسكرية كثيرة – فقد تم الكشف عن نظام الانفاق تحت الارض في المنطقة الحدودية ودمر جزء منه، وتم القضاء على نظام مواقع المنظمة على الحدود وسيطرتها على هذه المنطقة تقريبا، وكذلك اُبيد جزء ملحوظ من نظام الصواريخ البعيدة المدى (من طراز «فجر» وصواريخ 220 و320مللمترا)، وفوق كل ذلك – دمر ربع الضاحية في بيروت – وهو لب اللباب التنظيمي والعسكري والسياسي للحزب، حتى الاساس. واذا لم يكن هذا كافيا، فان جمهور مؤيديه الكبير، واكثره محصور في جنوب لبنان، تحمل خسائر كثيرة في الممتلكات والارواح».
وتوقع الباحث الإسرائيلي، ان يكون الحزب تلقى توبيخا ايرانيا، وقال: «من المعقول أيضا أنهم وجهوا في دوائر القيادة في ايران نقدا الى حزب الله لانه جر الى مواجهة عنيفة مع اسرائيل قبل وقتها وكشف للجميع عن قدراته الاستراتيجية، لا سيما كل ما يتصل باطلاق صواريخ على عمق اسرائيل».
واضاف كوليك في بحثه التفصيلي الذي جاء في المجلد العاشر من «تقدير استراتيجي»: «في مقابل ذلك، تستطيع المنظمة من الوجهة التنفيذية ان تتوج تصورها التنفيذي على انه ناجح، لان مقاتليها سببوا لقوات الجيش الإسرائيلي في معارك تكتيكية محلية خسائر كثيرة، والاهم انهم لم يكفوا عن احداث النار في العمق الاسرائيلي، حتى إزاء عمليات جوية كثيفة. تبين ايضا ان استعداد المنظمة اللوجستي كان جيدا بفضل نجاحها في الحفاظ على احتياطي ذخيرة كبير، مكن الحزب من اطلاق كميات كبيرة من الصواريخ في كل مراحل القتال (اطلق في المعدل من 150 – 200 «كاتيوشا» كل يوم). يرى الحزب أن هذه العمليات افضت الى وقف القتال والى زعزعات شديدة للكيان الصهيوني. من هذه الوجهة كان ميزان المنظمة التنفيذي ايجابيا».
نقاط ضعف «حزب الله»
في المقابل ، ذكر كوليك: «لقد تبين عدد من نقاط الضعف في استعداد حزب الله التنفيذي. اولها نجاح الجيش الاسرائيلي في اصابة عتاده الاستراتيجي – نظام الصواريخ للمدى المتوسط وللمدى الطويل. ويبدو أن الاصابة السريعة لهذا النظام في الساعات الاولى من القتال وكذلك القضاء على صواريخ زلزال (من انتاج ايران ويصل مداه الى 210 كيلومترات) في بيروت كانت أليمة على نحو خاص.
وكانت نقطة الضعف الثانية كما يبدو، الاهلية المنخفضة لوحدات الجبهة الداخلية. في وقت القتال هاجمت اسرائيل بقوة مراكز المنظمة في مدينة بعلبك في البقاع، ونفذت كذلك عددا من عمليات القوات الخاصة في المنطقة. تعد هذه المنطقة الجبهة الداخلية اللوجستية الرئيسة للحزب وحصنا شيعيا رئيسيا. يبدو أن قائد الوحدة الميدانية التي كانت مسؤولة عن تأمين المنطقة عزل بسبب ذلك. تبين ايضا في استعدادات وحدات اخرى من الجبهة الداخلية، اختلالات مختلفة. الى جانب كل ذلك تبين من الوجهة التكتيكية ان أمد بقاء قواعد اطلاق الصواريخ ذوات الانبوبتين (اكثرها قواعد اطلاق 220 مللمترا) ضئيل، لان اكثر قواعد الاطلاق التي اطلقت رشقات صواريخ على اسرائيل تم القضاء عليها بعد الاطلاق بوقت قصير، حسب تقارير سلاح الجو».
واوضح: «يتأثر تصور حزب الله التنفيذي بعد الحرب بعاملين رئيسين: الاول، استخلاص العبر من المواجهة الاخيرة؛ والثاني، الواقع الجديد الذي نشأ في جنوب لبنان بعد نشر جيش لبنان وتعزيز قوات اليونيفيل في المنطقة».
وحسب قرار لمجلس الامن، نشر الجيش اللبناني في الجنوب بمقدار قوة كبير نسبيا، من 10 الاف جندي تقريبا. وعزز هؤلاء باكثر من 12 الف جندي دولي من دول شتى. تجول هذه القوات في جنوب لبنان، لا سيما بجوار حدود اسرائيل، وتعمل في نقاط محددة للكشف عن حشود بوسائل قتالية في الجنوب. بل ان الجيش اللبناني اعتقل في بعض الحالات نشطاء مريبين. يبدو على نحو عام أن وجود قوات كثيرة الى هذا الحد في الجنوب جعل نشاط الحزب صعبا بقدر ما، وعلى ذلك فمن المعقول ان يؤثر هذا الواقع في الحزب من ثلاثة جوانب:
1 – اعادة بناء بناه التحتية (خصوصا تحت الارض) الواقعة في مناطق مفتوحة بجوار الحدود مع اسرائيل وشغلها.
2 – تنفيذ عمليات تنفيذية ذات «قوة كبيرة» مثل حفر آبار ملغمة او انفاق جديدة.
3 – الحرص على وجود مكشوف لقوات عسكرية على الخط الحدودي نفسه. وهكذا يقول احد التقارير ان نشطاء المنظمة، وبعد نشر الجيش اللبناني و«اليونيفيل» في الجنوب، يضطرون الى التجوال في المنطقة بلا سلاح وبلباس مدني، وان يكون وجودهم مراقب في القرى.
واكد كوليك انه «رغم كل ما طرح أعلاه، يبدو أن هذا الواقع لا يغير تصور حزب الله التنفيذي تغييرا جوهريا في استعداده للمعركة المقبلة مع اسرائيل. مع ذلك يثير عددا من المعاني التنفيذية:
أ – وجود أقل في المنطقة القريبة من الحدود:
وسيظل عدد من البنى التحتية الارضية للحزب مهجورا، وسيكون وجوده في المناطق المفتوحة المجاورة للحدود مع اسرائيل اقل. من جهة اسرائيل، يبتعد خط التماس في المنطقة المفتوحة من جهة، وعلى ذلك ستضطر الغزوات المحلية الى الدخول في عمق المنطقة. ومن جهة اخرى، سيكون من الممكن ان يوجه في إثر ذلك انتباه أكبر الى علاج قرى مشكلة تكون مراكز اطلاق نار في المنطقة الحدودية القريبة، وكذلك تأسيس وجود عسكري بسهولة وبسرعة في مناطق السيطرة بجوار الحدود.
ب – صعوبة صد الجيش الاسرائيلي في المنطقة القريبة من الحدود
قد تنبع هذه الصعوبة من مصدرين رئيسين: الاول، وجود غير نظامي لقوات لجيش على الحدود (عقب تدمير تحصينات المنظمة)، الذي قد يشوش على جمع المنظمة للمعلومات الاستخبارية؛ والثاني، صعوبة انشاء عوائق وآبار ملغمة جديدة بسبب وجود الامم المتحدة والجيش اللبناني بجوار الحدود.
خ – نقل مركز الثقل التنفيذي الى القرى بدل المناطق المفتوحة التي يبدو انه يصعب على «حزب الله» العمل فيها سرا، حصرت المنظمة همها في اعادة بناء بناها التحتية في القرى وتطويرها. وهكذا رغم وجود قوة الامم المتحدة، بنى الحزب في الاساس في القرى الشيعية بنية تحتية واسعة تحت الارض، وفيها ملاجىء كثيرة بعضها مزود بوسائل اتصال محكمة.
واوضح: «يبدو على نحو عام أن حزب الله يرى ان عمل نظام المدفعية الصاروخية كان ناجحا، ولهذا انحصر بناء قوته في هذا السياق في مجالين رئيسيين:
1. تجديد احتياطي الصواريخ القصيرة المدى (حتى حيفا): نجح الحزب بمساعدة من ايران وسورية، كما يبدو، في تجديد احتياطي صواريخ «الكاتيوشا» الذي يملكه. وهكذا قدرت جهات سعودية بعد بضعة اشهر من الحرب ان كمية «الكاتيوشا» التي تملكها المنظمة تشبه كميتها قبل الحرب.
وقدرت جهات امنية اسرائيلية، أن الحزب يملك ما بين 10 الاف الى 20 الف صاروخ قصير المدى. والمعنى المشتق من ذلك عند اسرائيل واضح، وهو ان الشمال سيكون في المعركة المقبلة ايضا، حتى خط حيفا – طبريا مكشوفا لاطلاق كميات كبيرة من «الكاتيوشا».
2. تجديد نظام الصواريخ البعيدة المدى وتحسينه. لهذا النظام اهداف عدة: احدها، ردع اسرائيل عن بدء معركة، وردعها بعد بدئها عن قصف بيروت؛ والثاني، ان يكون سلاحا استراتيجيا، ووسيلة لاصابة «النقطة الضعيفة في جسم» دولة اسرائيل (منطقة غوش دان). يمكن ان نقول ان هذا النظام لم يحرز اهدافه في حرب لبنان الثانية (لم يردع اسرائيل عن بدء معركة او عن اصابة مراكز المنظمة في بيروت ولم ينجح في ان يمس بمنطقة غوش دان ولو على نحو رمزي). وفوق ذلك اصيب جزء كبير من النظام في مراحل القتال الاولى. وعلى ذلك بدأ الحزب بعد الحرب «اجراء سريعاً للتزود بصواريخ بعيدة المدى». جدد قبل كل شيء احتياطي الصواريخ من انتاج سورية (220 و302 مللمتر) وايران (فجر) الذي كان يملكه، لكن المنظمة لم تكتف بذلك، ويبدو أنها نجحت في تحسين هذا النظام الاستراتيجي باستيعاب صواريخ (فتح 110) ايرانية ذات مدى يبلغ 250 كيلومترا. ليس نظام الصواريخ والقذائف هذا محصورا في الجنوب فقط، بل منشور شمال الليطاني ايضا، في منطقة البقاع وشرقها، حسب مصادر لبنانية. ومن المعقول ايضا ان يكون في منطقة بيروت (كنشر قواعد اطلاق زلزال – يبلغ مداها نحو 210 كيلومترات).
واعتبر كوليك ان هذا الوضع «يثير عددا من المعاني المهمة تتصل بالمعركة المقبلة مع حزب الله:
1. ادخال مناطق اكبر في اسرائيل تحت تهديد الصواريخ: في الحرب المقبلة ستكون منطقة المركز عامة وغوش دان خصوصا اكثر تعرضا لاطلاق الصواريخ.
2. قدرة تهديد اكبر لمنشآت حساسة في الجبهة الداخلية: صواريخ «فتح 110» دقيقة نسبيا. اذا كان الحزب استوعب هذه الصواريخ حقا، فستتحسن جدا قدرته على اصابة اهداف حساسة داخل اسرائيل: مصانع، ومنشآت بنى تحتية، وقواعد عسكرية ومستشفيات.
3. تحميل الجيش الاسرائيلي صعابا اخرى في مواجهته تهديد الصواريخ والقذائف الصاروخية: في الحرب المقبلة سيواجه الجيش تحديا اكثر تعقيدا عندما يأتي ليواجه اطلاق القذائف الصاروخية او الصواريخ بعيدة المدى لسببين رئيسيين: الاول، الانتشار الجغرافي الواسع لنقاط الاطلاق (البقاع والجنوب ومنطقة بيروت)، يضطر سلاح الجو الى نشر نقاط التجميع الاستخباري والهجوم على مناطق واسعة. والثاني، مواجهة عدد اكبر من قواعد الاطلاق، اكثرها لمرة واحدة. من المنطقي أن مجرد نجاح الجيش في الحرب الاخيرة في ان يدمر بنجاح كبير قواعد اطلاق الصواريخ متعددة الانابيب (بسبب ظهورها العالي) سيجعل الحزب يعتمد على قواعد اطلاق ذات انبوبة واحدة يستعملها لمرة واحدة فقط. من هنا ينبغي أن نفترض أنه يملك قواعد اطلاق اكبر وان تكون الاهمية التنفيذية لقاعدة الاطلاق الواحدة اقل، في مقابلة ذلك.
وتابع الباحث: «قبل المعركة الاخيرة كان فرض العمل التنفيذي الرئيس لحزب الله ان الجيش الاسرائيلي لن يتم عملية برية واسعة النطاق – الا مرغما وكملاذ اخير. وتبين حقا في اكثر مراحل المعركة ان هذا الفرض صحيح. مع ذلك اتصل عاملان بعضهما ببعض لتقويضه:
– العملية البرية التي بدأها الجيش في ايام القتال الاخيرة – ان انزال القوات الواسع قرب الليطاني ودخول قوات برية كبيرة من الحدود مثلا لـ «حزب الله» قدرة الجيش الاسرائيلي في هذا المجال، وجعلا إمكان أن يتم اجراء من هذا القبيل في الحرب المقبلة محسوسا اكثر.
– الكشف عن خطط الجيش التنفيذية: في الجدل العام الذي تم في اسرائيل بعد الحرب كشفت تفصيلات كثيرة عن خطط الجيش لتنفيذ عملية برية واسعة النطاق في لبنان. في هذا الاطار، تم الكشف عن اسم الخطة «ماء الاعالي»، وعن النظام العام: ثلاث فرق، لا سيما عن الفكرة التنفيذية: عملية برية واسعة تؤلف بين الهجوم من اتجاهات عدة للسيطرة على المنطقة بين الليطاني والحدود، مع امكان احتلال هضبة النبطية (وهي اهم وأكبر مركز شيعي في الجنوب، شمال الليطاني).
واضاف: «يبدو أن بسبب تغير تقدير حزب الله لاحتمال تنفيذ اسرائيل عملية برية، بدأ يستعد استعدادا اكبر لسيناريو من هذا النوع؛ ونفذ في هذا الاطار عددا من الخطوات العملية:
1. تعزيز وجود قوات الجيش شمال الليطاني: حسب مصادر مختلفة، عمل «حزب الله» منذ الحرب في تعزيز مواقعه العسكرية شمال الليطاني. وهكذا توسع المنظمة بنى تحتية قائمة وتقيم تحصينات جديدة و«محميات طبيعية» (او «جيوب امنية») – تشبه قواعد ميدانية عسكرية ترمي الى التمكين من القتال والاطلاق المحمي لقذائف صاروخية من خارج القرى والمناطق الآهلة.
والى ذلك تبين من احد التقارير ان الحزب وكجزء من استعداده الجديد شمال الليطاني، يشتري كما يبدو اراضي في مناطق مسيحية ودرزية لمحاولة تعزيز وجود الشيعة في هذه المنطقة، ولتمكين محاربيه من العمل في محيط اكثر أمنا ودعما. وعلاوة على ذلك، يبين ذلك التقرير أن احدى القرى التي اشتريت فيها قطعة ارض كبيرة، هي قرية مسيحية صغيرة تسمى القطراني، موجودة في احد الطرق التي تفضي الى البقاع. اذا كان الامر كذلك، فان ذلك قد يدل على أن الحزب يستعد ايضا لإمكان ان ينفذ الجيش في الحرب المقبلة عملية برية أوسع في الجنوب وربما اعمق من ذلك، نحو البقاع (المركز اللوجستي الكبير ومركز قوة شيعية).
2. تعزيز النظام المضاد للدبابات – اصيب في الحرب بضع عشرات من الدبابات بصواريخ مضادة الدبابات، رغم ان بعضا منها لم يصب بضرر كبير، وبرهن طراز الصواريخ التي استعملها «حزب الله» («كورنت» و «ماتيس»، (من انتاج روسيا) على قدرة تدميرها. بل ان هذه الصواريخ في حالات عدة اخترقت درع دبابة «ميركافا – 4»، التي تعد ذات افضل درع في العالم. يبدو أن الحزب كجزء من استعداده لعملية برية بدأ يستوعب بعد الحرب كميات كبيرة من الصواريخ المضادة للدبابات المتقدمة. تنقل هذه الصواريخ من انتاج روسيا الى المنظمة بواسطة دمشق. وعلاوة على ذلك، من المحتمل أن مجرد اتفاق سورية مع روسيا في بداية السنة على صفقة كبيرة لتزويدها بصواريخ مضادة للدبابات يمكن الحزب من تطوير وتوسيع نظامه المضاد للدبابات جدا.
3. تعزيز اطر القتال الميدانية – «حزب الله» على نحو عام مستعد على شكل وحدات ميدانية، اي وحدة عسكرية مسؤولة عن خلية ميدانية محددة. هكذا مثلا تنتشر في المنطقة الجغرافية بين اسرائيل ونهر الليطاني وحدة تسمى «نصرا»، وفي شمال الليطاني والبقاع تنتشر وحدتان ميدانيتان اخريان. يحتمل أنه إثر تغير تصور الحزب لعمليات الجيش الاسرائيلي في المستقبل، ان تعزز جدا اطر القتال في الميدان والقطاع، سواء أكان ذلك في مستوى القيادات (تضخم نظام القيادة في القرية، والبلدة وما اشبه) ام في مستوى الوحدات المقاتلة (زيادة عدد الخلايا المضادة للدبابات، وتخصيص وسائل اكبر وما اشبه). رغم أن المعلومات في هذا المجال ضئيلة، فان هذا التطور يحتاج اليه من جهة التصور بسبب تغير رؤية الحزب لعمليات اسرائيل في الحرب المقبلة.
واشار كوليك الى المعاني التي يثيرها كل ذلك عند اسرائيل واضحة؛ وهي ان «حزب الله سيكون في الحرب المقبلة اكثر استعدادا وتجهزا من ناحية التصور، ومن ناحية البنية التحتية البرية ومن ناحية الوسائل القتالية التي يملكها من أجل عمل بري لاسرائيل في عمق لبنان ايضا (شمال الليطاني ووراءه)».
وكتب الباحث ان عملية اعادة البناء العسكري للحزب «سريعة نسبيا، لا سيما وقد سبقها نقل وسائل قتالية كثيرة من ايران وسورية. مع ذلك يبدو أن المنظمة تواجه عددا من الصعاب في كل ما يتصل باستعدادها من جديد لاسرائيل. الصعوبة الاولى، ويبدو أنها الرئيسية، ملء صفوفها من جديد. ففي حرب لبنان الثانية فقدت بضع مئات من مقاتليها (تراوح تقديرات مختلفة بين 250 الى 600 قتيل). يستمر تجنيد مقاتل واعداده سنوات، تتضمن فترة غسل دماغ متصلة وتدريبات مرهقة. يختار المقاتلين بناء على سلوكهم الاخلاقي ومبلغ تمسكهم بمبادئ الدين. يبدو أن بسبب عمل الاعداد الطويل، وربما بسبب انخفاض الباعث على تجنيد النفس لصفوفه ايضا، يصعب على الحزب أن يتم القوة البشرية التي فقدها في الحرب. وقد يكون استيعاب شيعة انتموا في الماضي الى حركة «امل»، وقبول متطوعين من أهل السنة في صفوف المنظمة شهادة على ذلك».
وتابع: «يبدو أن المنظمة بسبب صعاب تجنيد المحاربين تضطر الى أن تستوعب في صفوفها فتيان من الشيعة ايضا. وقد تكون سورية على خلفية نقص من القوة البشرية التقنية والخبيرة استجابت لاقتراح ايران ان تكشف عن مشاركة اكبر في ادارة نظام الصواريخ البعيدة المدى لحزب الله».
وحسب الباحث: «هناك صعوبات اخرى كما يبدو باختلال الثقة التامة التي كانت لايران بقيادة حزب الله. يبدو أن المغامرة التي جرّ نصرالله اليها لبنان عموما ومنظمته خصوصا اغضبت كثيرين في طهران. اضرت هذه الحرب ببنيته العسكرية التحتية، والانسانية والسياسية، واشد من ذلك انها بينت للجميع الوسائل القتالية التي يملكها (نظام الصواريخ البعيدة المدى)».
وحسب التحليل الإسرائيلي: «رأى الايرانيون هذه الوسائل القتالية معدة لتستعمل ردا على هجوم من اسرائيل او الولايات المتحدة على أراضيها، لا لتبادل الضربات بين حزب الله والجيش الاسرائيلي. وربما كانت القيادة الايرانية في هذا الاطار تريد زيادة رقابتها على قيادة الحزب».
الحرب المقبلة في لبنان
وقال كوليك «ان من دون قطع الصلة بين سورية وايران وحزب الله، يبدو ان عمق عمليات الجيش الاسرائيلي وسعتها بلا أهمية؛ لان الحزب مع انقضاء القتال سيعيد بناء قوته في غضون بضعة اشهر». وقال: «حقيقة أن المنظمة تمثل في واقع الامر اكثر الشيعة في لبنان تمنحها في هذا السياق قاعدة سياسية واجتماعية صلبة، اضافة الى المجال العسكري الخالص. وهكذا فان عدم نجاح اسرائيل، وحكومة لبنان والجماعة الدولية في واقع الامر في قطع الصلة بين الحزب ووكيليه سورية وايران بوسائل عسكرية وسياسية يجعل كل محاولة لاحداث واقع مخالف في لبنان عموما، وفي جنوب لبنان خصوصا، صعبة».
وكتب ان الحرب مركبة من ابعاد عدة: المكان والزمان، والاهداف، وطرق القتال والوسائل:
1. المكان والزمان: «يجب ان تتم مهاجمة حزب الله. في بدء المعركة على الاقل مباغتة وان يشتمل ذلك على اكثر ذخائره المادية – القيادات، والقواعد ومنازل النشطاء الكبار. يجب ان يتم القتال نفسه خلال النهار ليوجد اكبر قدر من نقاط التماس بين مقاتلي الجيش الاسرائيلي، الذين هم في الاكثر أعظم خبرة، وبين «حزب الله». يجب ان يشتمل مجال القتال البري، لا على مناطق الجنوب فقط، بل على مناطق لا تتوقع المنظمة ان تدخل اسرائيل في عمقها، مثل منطقة بعلبك وبيروت نفسها. يجب ان تخضع هذه المناطق لهجوم بري او غيره في المراحل الاولى من المواجهة.
2. الاهداف: قد يكون هذا المجال أهم المجالات. ان فشل الجيش في حرب لبنان الثانية في المس بقيادة المنظمة الكبيرة، فضلا عن قيادتها السياسية، يشير الى ضعف جوهري. والى ذلك، فان مجرد حقيقة أن الحزب نجح في ان يسيطر ويوقت اطلاق الصواريخ في كل مراحل القتال، يشهد بان نظام قيادة المنظمة والسيطرة عليها لم يتضرر في واقع الامر تضررا كبيرا. وعلى ذلك، يجب أن يتم جل الجهد الاستخباري في مجال الاهداف، لضمان ان يكون من الممكن في المعركة المقبلة مع المنظمة تعويق «دائرة القيادة الكبيرة» ومراكز السيطرة في جنوب لبنان أو في مناطق اخرى في الدولة.
وثمة نوع آخر من الاهداف يجب النظر فيه وهو أهداف البنى التحتية في لبنان. ففي الحرب السابقة تمتعت هذه الاهداف بـ «الحصانة». مع ذلك قد تجعل مهاجمة بعضها مثل البنى التحتية للكهرباء والوقود في مناطق ما، من الصعب على الحزب ادارة معركة منظمة، لا سيما اذا استمر القتال وقتا طويلا. وفي النهاية، هناك نوع آخر من الاهداف، تتصل بالنظام الاجتماعي – الاقتصادي للحزب، مثل شركات تجارية، وجمعيات مساعدة اجتماعية وغير ذلك. وعلى ذلك، يمكن أن تكون اصابة هذه الاهداف مفاجأة لـ «حزب الله»؛ وان تسبب ضررا اقتصاديا كبيرا، تؤثر في قدرته على اعادة بناء مكانته الاجتماعية بل السياسية في الطائفة الشيعية بعد الحرب.
3. طرق القتال: يجب أن تكون هذه أصيلة. فالى جانب ادخال كتل من سلاح المشاة والمدرعات يجب تطوير طرق اخرى، لاسيما لتواجه نظام الصواريخ الواسع ونشر هذا النظام في أنحاء لبنان. من أجل ذلك مثلا، يمكن ان تروى مناطق الاطلاق التي هي أبعد (البقاع، ومنطقة بيروت) بقوات صغيرة – طواقم خاصة – ذات قدرات استخبارية ونارية مستقلة. ربما تكون كمثل تلك التي استعملها البريطانيون والاميركيون في افغانستان وغرب العراق في حرب الخليج الاولى. من المنطقي أن يصعب على سلاح الجو وحده ان يرد ردا مجديا على مناطق الاطلاق كلها.
4. الوسائل: هذا المجال معقد جدا ويحتاج الى تحليل مستقل. مع ذلك، يبدو أنه سيكون على اسرائيل أن «تنتج» مفاجآت. مثلا وسائل تمنح ردا افضل لمواجهة انتشار الحزب في المناطق المفتوحة، وتحديد مواقع الصواريخ قبل استعمالها، ووجدان القيادات ومراكز السيطرة للقضاء عليها وغير ذلك».
وفي الملخص، كتب كوليك الذي اظهر حماسا لشن عدوان جديد «لم تكشف الحرب الثانية عن عدم استعداد الجيش التنفيذي فقط لمواجهة حزب الله بل عن عدم نجاحه في الاستعداد للشكل المختلف من الحروب التي يبدو انها متوقعة في المنطقة في المستقبل: نضال العدو الذي هو في جزء منه بلا صورة محددة، ومناطق مملوءة بمضادات الدبابات وحرب تتم في الجبهتين الامامية والداخلية معا. في هذه النقطة تكمن في واقع الامر فرصة للجيش – لا فقط ليفهم في الصعيد المبدئي شكل المعارك المقبل، بل خصوصا لاستيعاب التغييرات التي تنشأ في طبيعة الحروب والاستعداد لها استعدادا افضل من جهة التصور والتنفيذ معا».