حنين "حزب الله" إلى النظام الأمني
"رويدك لا يخدعنك الربيع
وصحو الفضاء وضوء الصباح
ففي الأفق الرحب هول الظلام
وقصف الرعود وعصف الرياح
حذار فتحت الرماد اللهيب
ومن يبذر الشوك يجني الجراح"
أبو القاسم الشابي
مصطفى علوش()
أوغستو بينوشيه (1973 ـ 2006)
في تاريخ الحركات اليسارية في العالم، برزت تجربة فريدة في تشيلي عندما وصل الزعيم الاشتراكي سلفادور الليندي عام 1971 الى رئاسة البلاد بعد انتخابات حرة مباشرة. بطبيعة الحال، كان حكم الليندي مستهدفاً من قبل المخابرات الأميركية لأنه اتبع سياسات تعتبرها مضرة بالتوجهات الرأسمالية، في وقت كان الصراع على أشده بين معسكري الأنظمة اليسارية والأنظمة الرأسمالية في العالم. وقد كانت الانقلابات العسكرية أقصر الوسائل لقلب أنظمة الحكم، وهنا أتى دور أوغستو بينوشيه قائد الجيش الذي قام بالانقلاب على الليندي وحاصر القصر الجمهوري حيث قتل الرئيس وتولى الحكم بعدها مجلس من "أربعة ضباط" من الجيش وقوى الأمن تحت إشراف بينوشيه.
خلال سبعة عشر عاماً من حكمه، منعت كل أشكال الأنشطة السياسية وبالأخص اليسارية منها، فيما اختفى الكثيرون من المواطنين، وتمكنت لجنة تحقيق "ريتيج" من إثبات ألفين وخمساً وتسعين حالة قتل وألف ومئة حالة إخفاء. وقد كان التعذيب في السجون من الأمور اليومية أحصى منها تقرير "فاليك" أكثر من ثمانية وعشرين ألف حالة تعذيب.
ترك بينوشيه السلطة سنة 1990 بعد سلسلة من الاحتجاجات والاضطرابات، ولكنه احتفظ بقيادة الجيش بالإضافة الى امتياز كونه شيخاً في مجلس الشيوخ ما أعطاه حصانة ضد الملاحقات القضائية.
سنة 2002، سافر بينوشيه الى بريطانيا، وهو ما زال يتمتع بنفوذ هائل في بلاده، هناك تم اعتقاله بتفويض قضائي أصدره القاضي الإسباني بالتسار جارسون على خلفية الارتكابات غير الإنسانية والإجرامية التي جرت في عهده، بقي في الإقامة الجبرية هناك لسنة، أطلق بعدها لأسباب صحية. في الشيلي، حكمت محكمتها العليا بأنه مؤهل للمحاكمة سنة 2004 وبدأت المحاكمة الى أن مات بنوبة قلبية سنة 2006.
حرم الموت أهل الضحايا من اصدار الأحكام في حق بينوشيه، ولكن معنوية المباشرة بالمحكمة أعطت مؤشراً بأن عهد التفلت من العقاب قد ولى.
بينوشيه في لبنان
قد يكون من الطبيعي لمن هم مثلي ان يستذكروا الجنرال بينوشيه عند مشاهدة رئيس المجلس العسكري السابق، الخارح حديثا من سجن رومية وهو يتوعد ويهدد وكأنه ما زال في عز سطوته على رأس النظام الأمني. لقد حاول بعض الاعلام على مدى السنتين الماضيتين تصوير هذه القضية وتحويلها الى قضية حريات مع ان ابطالها هم من غلاة منتهكي الحريات، وحاول آخرون تصويرها كقصة من قصص الأطفال الخيالية، وهي في الواقع قضية جريمة كبرى يحاول منفذوها التملص منها من خلال الثغر القانونية، ولكنه واقع العدالة الحديثة التي تعطي نفس الحقوق حتى لمغتصبي الحقوق.
ولكن المشهد المخزي والمهين لأبطاله هو انه في غمرة حفلات نثر الأرز والزغاريد وطبول الزفة، تقاطرت قيادات "حزب الله" من كل حدب وصوب لتشارك في الزفة ولكل واحد منهم "قرص في كل عرس". ولكن العلامة الفارقة كانت تنافس كل واحد منهم مع أخيه في كيل المديح للمفرج عنهم، وصب كل أنواع الهجاء على القضاء اللبناني وعلى السلطة وبالمحصلة على قوى الرابع عشر من آذار. وهكذا، وبعد سنوات من توصيف العدالة الدولية بالمسيسة، حول ابطال حزب الله قرار المحكمة الأخير الى منبر سياسي بامتياز عله ينفع في الانتخابات القادمة، او ربما ينفع في تأكيد رؤيا الحزب حول الاستراتيجية الدفاعية، او ربما تأبيد اسباب استمرار لبنان منصة لاطلاق صواريخ الولي الفقيه وتلقيها عوضا عن قدس الأقداس في طهران، او ربما بطلان سلطة القضاء اللبنانية وصوابية استعمال الحزب محاكمة الشرعية كبديل عنها.
على كل الأحوال فان الواضح من اغراق "حزب الله" في مظاهر الاحتفال بأن مسألة المناورات الاسرائيلية المرتقبة والتي تنذر بحرب جديدة لدرجة جعل منها مادة شبه وحيدة في جلسة الحوار الأخيرة، ما هي الا قضية ثانوية بالنسبة لاطلاق سراح اعضاء المجلس العسكري الاربعة. ولكن في المقلب الثاني نرى صورة لأركان نظام أمني سوري لبناني مارس ظلمه وسطوته باسم الوصاية السورية على مدى اكثر من عقد من الزمن وتسبب بفقدان حياة وحريات المئات من اللبنانيين، وجرت تحت سلطتهم جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فكانت ردة فعل طبيعية من المواطنين عندما رفعوا صور هؤلاء وغيرهم لأنه من الطبيعي حين حصول اية جريمة ان يكون الشك بمن هو قادر على ارتكابها و"ألسنة الناس أصوات الحق"، علماً بأن تجربة 29 سنة من الوصاية كانت كافية للناس ليعرفوا من هو المجرم الأكثر ترجيحاً. بكل الأحوال، فإن المسألة الآن أصبحت خارج إطار السجالات في فن المنطق، ويبقى على المحكمة الدولية أن تثبت أهليتها في متابعة مسار العدالة بعد أن أثبتت بأنها غير مسيسة.
ولكن ما يبدو مؤكداً من حماسة "حزب الله" الاحتفالية هو حنينه الى زمن "الوصاية الجميل" حين كانت مسؤولية تخوين الناس وتهديدهم وزجهم في السجون في يد أبطال النظام الأمني وذلك "حماية لأمن المقاومة" من كل من تجرأ على طرح مسألة جدوى بقاء سلاح "حزب الله" خارج سلطة الدولة.
كل ذلك يؤكد أيضاً أن هذا الحزب يتحين الفرص لقلب معادلة الشرعية الديموقراطية من خلال الانتخابات القادمة وإعادة البلاد الى أيام نظام أمني جديد "لبناني ـ إيراني" هذه المرة يتولى شؤون "الغسيل الوسخ" بالنيابة عن الحزب ليتفرغ لبناء سلطة الولي الفقيه المعصوم بعد تطويع أو تطفيش ما تبقى من اللبنانيين.