نبل القضاء وعهر الادعاء
المحامي جورج ابو صعب
كم كان نبيلا هذا القضاء في بيانه!
كم كان نبيلا في دفاعه عن نفسه بوجه الهجمة الماغولية الجديدة وقد أبى على نفسه النزول الى مستوى الشارع والشارعيين وبقي السيد المطلق صاحب الكلمة الفاصلة والعلم الرصين والرفعة الاخلاقية، وهو يعلم ان من يتوجه اليهم ما زالوا صغارا وصغارا جدا ليستطيعوا الوصول الى يوم يتجرأون على طرح محاسبته بالشكل الرخيص الذي طرحوه. فمحاسبة القضاء لا تتم عبر منابر الالسن الفارغة ومهرجانات الحملات الزائفة واطلاق الشعارات النابية بل للقضاء مكانته ومكانه وهو المكان الذي لا يرقى اليه الا من كان متشربا سمو المعرفة وعمق العلم.
سالت نفسي مرار في الاونة الاخيرة: اليس للمعارضة او لفريق 8 اذار حقوقيون من محامين وباحثين قانونيين ليقوموا بعمل خير بانارة طريق الحق لرفاقهم الجهال ولدللالتهم على حقيقة القانون والعلم والمعرفة؟
لم نر الى الان في خضم هذه الهجمة المغولية على القضاء محام او قانوني من صفوف 8 اذار يضع دراسة او تحليلا لنص المادة (108) من قانون اصول المحاكمات الجزائية اللبناني – وليعطينا تفسيرا علميا ولو ضد القضاء في تفسير هذه المادة بما يدعم وجهة نظر انداده في المعارضة.
غريب زمن الجهل هذا … وغريب اكثر انتفاء المثقفين والمتنورين بنور العلم والمعرفة لدى من يدعي اليوم انه مستعد لحكم لبنان واللبنانيين ان نجح في الانتخابات النيابية المقبلة .
لقد قال القضاء كلمته: اننا سلطة قضائية مستقلة ولسنا قضاء لسلطة …
وقال القضاء ايضا : يلفت المجلس النظر الى واقعة مالها ان ثمة اختلافا بين القواعد القانونية المطبقة في لبنان وتلك المحددة في الاصول الاجرائية العائدة الى المحكمة الخاصة بلبنان مما قد يكون من شأنه التأثير على المعايير المعتمدة وعلى القرارات المتخذة …
فماذا يمكن ان نطلب اكثر من ذلك الوضوح العلمي والموضوعي في الكلام لتهدئة النفوس الهائجة والتصرفات المسعورة؟
صحيح المثال الشعبي اللبناني الذي يقول : ان الجمل اذا رأى حردبته تعثر ووقع – هذا المثال الذي يطبق جملة وتفصيلا على ارباب الشتائم وجوقة الشتامين اليوم ضد القضاء – وهم نسوا او يتناسون انهم في زمانهم هم وازلامهم وحلفائهم عبثوا حتى العهر في مفاهيم ومبادئ العدالة والقضاء ولم يتوانوا في تحويل بعض القضاء الى جهاز امني ملحق وتابع لاسيادهم – يطارد الوطنيين ويفتح لهم الملفات الزائفة والمفبركة ويستحضر الاحكام المسبقة بلغة القانون المذلول والاسناد القانوني اليتيم .
فالى هؤلاء اليوم الذين باتوا يعطون على شاشات التلفزة دروسا في الكمال واحقاق الحق وتأمين العدالة تذكير بان الناس المظلومة لم تنس ولن تنسى ما ارتكبوه بحق القضاء اولا ثم بحق الشعب اللبناني الحر والابي – واذا ارادوا التطاول اكثر على القضاء فلتفتح عندها الملفات… كل الملفات فمن يدري ربما اذا فتحت هذه الملفات لن يعود بامكان جهال المنابر اليوم ان يتفوهوا على القضاء بكلمة واحدة وقد يترحم البعض منهم على الاقامة الماضية في زنزانة رومية وعلى القضاء الدولي .
العدالة حق وواجب… والعدالة كل لا يتجزأ وفي تعريف مفهومها يقول الفيلسوف سبينوزا SPINOZA في كتابه "الخلاصة اللاهوتية": لا نعمل للاخرين ما لا نريد ان يعملوه لنا والدفاع عن حق الاخر كما ندافع عن حقنا"
فهؤلاء المعتلين اليوم منابر الديماغوجية والاسفاف لا يعلمون ما يقولون لانهم بكل بساطة لا يريدون ان يعلموا : فالعدالة عندهم وجهة نظر كما السياسة – كما الوطن – كما الاستقلال والسيادة والحرية – والحق عندهم خيار يستعمل عندما يخدمهم ويطرحونه في غياهب المجهول والتجهيل عندما لا يناسبهم .
كم كنا نحتاج في ايامنا هذه الى مثال الفيلسوف جان جاك روسوJEAN JAQUES ROUSSEAU والمفكرHOBBS الاول في رفضه فكرة الحق للاقوى والثاني في فكرة الحق بالقوة : لتعليم هؤلاء المتغطرسين في جهلهم والمتمادين في غيهم وفي تطاولهم على مقدسات الدولة وتاريخ بيروت ام الشرائع ومحرماتها ما هي القيمة الحقيقية للحرية المسؤولة وللعدالة السوية وللحق القاطع .
فالعدالة مبدأ وقاعدة اساسية لسلطة القانون وهي تعطي كما يقول العميد فيديل VEDEL العلاقات الانسانية تنظيمها القانوني فتفرض علاقة مع الاخر ايا كان وتنظيما للحرية بتساوي حرية كل شخص بحرية الاخر – وتفقد العدالة عندما تقمع حرية فرد او جماعة وعندما تقيد حتى الاختناق حرية الاخرين .
فاين الخطباء المنظرين اليوم في 8 اذار من هذه المبادئ والاسس العلمية للحق والعدالة ؟
اين كانوا من العدالة والحق والقانون عندما انقضوا باسم القانون المغتصب والشعب المغلوب على امره على الاخر ؟
اين كانوا من العدالة والحق والقانون عندما نكلوا وسجنوا واضطهدوا وحاكموا ونفذوا احكاما تعسفية سياسية بحق الشرفاء ؟
اين كانوا من العدالة والحق والقانون عندما سارعوا الى كم الافواه واقفال وسائل الاعلام او تطويعها اسقاطا لديمقراطية الحق واسس العدالة التي ينادون بها اليوم بوقاحة من لم يعد يستحي؟
اين كانوا من العدالة والحق والقانون عندما تهافتوا على الانقضاض على الاحزاب والتيارات السيادية التي كانوا يناصبوها العداء وما زالوا ضد البعض منها اليوم والى حل حزب القوات اللبنانية بقرار سياسي فوري لم ينتظر حكما ولا قرارا ظنيا ولا محاكمات عادلة ونزيهة ؟
اين كانوا من العدالة والحق والقانون عندما طاردوا المواطنين الابرياء وقتلوهم لانهم تجرؤا على رفض طغيانهم وذلهم واستعمارهم ؟
فالقضاء اليوم قال كلمته … فمن له اذنان سامعتان … فليسمع ويرتدع قبل فوات الاوان .