#dfp #adsense

ولكن ما هو “الكلام العربي الآخر” ؟

حجم الخط

ولكن ما هو “الكلام العربي الآخر” ؟

راجح الخوري


ولكأن قذائف الترهيب التي أطلقتها المعارضة في الايام الاخيرة لم تصل الى شاطئ النيل حيث يقوم مبنى الجامعة العربية. فها هو الامين العام عمرو موسى، الذي يُراد له ان يقع في اليأس والاحباط ليقرر تأجيل عودته الى بيروت او الغائها، يستعجل هذه العودة ليصل اليوم وسط مؤشرات على اصراره والجامعة العربية على تأكيد ما قاله قبل اشهر من “ان لبنان مسؤولية عربية”.


ولكن لا ندري ماذا يستطيع موسى ان يفعل في مواجهة طوفان العراقيل التي تنتظره، وقد وصلت في الفترة الاخيرة الى محاولة المعارضين سحب البساط من تحت اقدام “المبادرة العربية” عبر التصعيد المبرمج ضد العماد ميشال سليمان بما يهدف الى اسقاط نقطة الاجماع عليه رئيساً توافقياً، وهي النقطة التي استندت اليها “المبادرة العربية”. فاذا نجحت المعارضة في اسقاط ترشيح قائد الجيش تكون قد اعادت الامور الى نقطة الصفر وخصوصا في ظل الشروط التي تواجه تشكيل الحكومة الجديدة.


لكن المؤشرات التي رافقت الاعلان عن تقديم موسى موعد زيارته الى بيروت توحي فعلا ان الامور قد تأخذ اتجاهات اكثر وضوحا وربما جرأة ايضا في تسمية الاشياء باسمائها.


فقد أُعلن اول من امس ان الامين العام يصر على ان يبحث في خلال زيارته “جميع جوانب الازمة اللبنانية”، وانه انطلاقا من أبعاد المبادرة العربية سيركز منذ اليوم الاول على انجاز تفاهم سياسي شامل بين الموالاة والمعارضة حول كل العناوين السياسية الداخلية والخارجية، على ان يصير الى الاعلان عن التفاهم الذي سيشمل، بعد انتخاب الرئيس، تشكيل الحكومة وبيانها الوزاري والى ترتيب ضمانات متبادلة قد تتطلبها ملفات التفاهم على العلاقة مع سوريا وسلاح المقاومة واسترداد مزارع شبعا والتوطين وقانون الانتخاب والقرارات الدولية.


ثم نشرت الزميلة “السفير” امس كلاما للامين العام بأنه يريد “تخليص ضميره”، ومن يريد تخليص ضميره من مسألة حساسة يتوقف عليها مستقبل بلد وشعب لا يكون عمليا في وارد “نفض قميص عثمان” من هذا البلد المتعوس، بل في وارد توضيح ما يمليه عليه واجبه وضميره ايضا وهو الذي اصطدم بالعراقيل تكرارا وبات على دراية بأكثر العقد الظاهرة والمخفية.


“انا اعمل لله وللبنان – يقول موسى – وليس لحساب احد ولست منحازا كما يتهمني البعض. أنا اسعى للدفاع عن مصالح لبنان العليا بوصفها جزءاً لا يتجزأ من المصالح العربية العليا. ولا مصلحة لاحد بأن يخرب لبنان ولهذا كانت المبادرة العربية”.



أمام كلام من هذا النوع، وفي ظل استشراس الحملة ضد الامين العام وقد وصلت الى حد اتهامه بما سبق ان اتُّهم به البطريرك صفير من انه موظف عند بيت الحريري (!)، فإن عودته المبكرة الى بيروت وما سبقها من مؤشرات الاصرار على انجاح المبادرة العربية، انما تدفع الى طرح سؤال بسيط:


هــــل قــــررت الجـــامعــــة الـعـــربيــــة ان تبـرهـــن ولو لمـــرة ان مساعـــدة لبـــــنان لحــــل ازمتــــه المتمادية بسبب التدخلات الخارجية هي فعلا “مسؤولية عربية”؟


طبعا لا يمكن الاجابة عن هذا السؤال الآن، لأن مهمة موسى لم تنته. ولكن ملامح الاصرار على المضي في السعي لانجاح “المبادرة العربية”، رغم كل ما تعرض له ويتعرض الامين العام من التحامل والتشكيك والاتهامات، انما يدفع كثيرين في لبنان الآن الى تذكّر التصريحات التي ادلى بها موسى في القاهرة بعد انتهاء الاجتماع الوزاري العربي الذي عقد في 27 كانون الثاني الماضي، حيث قال حرفياً:


“إن جلسة 11 شباط هي السقف الزمني لانتخاب الرئيس. وان العرب سيكون لهم موقف آخر اذا لم يتم انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا في ذلك التاريخ. لقد تم الاتفاق على عدم اثارة صعوبات امام انتخاب سليمان. واذا لم يتم انتخابه وحدثت مماطلة فسيكون هناك حديث عربي آخر”!


ومنذ ذلك التاريخ تضاعفت الصعوبات المثارة في وجه العماد سليمان، لا بل ان هناك من حمل اقتراحات الى فرنسا بالبحث عن مرشح آخر، وهو ما يكفل عودة الامور الى نقطة الصفر. وقد رافق التشكيك والقصف السياسي على سليمان والجيش ضخ منهجي لاخبار هدفها فركشة الحل والمضي قدما في الفراغ.


فالحديث مثلا عن قبول انتخاب سليمان رئيسا لمدة سنة واحدة في مقابل التخلي عن الثلث المعطل وتشكيل حكومة حيادية تشرف على انتخابات مبكرة، هو من باب التعمية والتشويش على الاقل لأن البرلمان الذي يفترض ان يقر قانونا جديدا للانتخابات هو في السبات الاكراهي كما هو معروف.

 

كذلك ان محاولة تأجيج الخلاف بين دمشق والرياض فوق سطح الازمة اللبنانية الملتهبة، هو ايضا من باب السعي لرفع جدار العراقيل في وجه موسى والمبادرة العربية، ولكأن اللبنانيين لا يكفيهم ما هم عليه من خلاف وانقسام ليحاول بعضهم استجرار الخلاف الصامت بين سوريا والسعودية عبر محاولة اتهام الاخيرة بالوقوف فريقا في لبنان ضد سوريا، وهو يتناقض مع الحقيقة.


أولاً لان السعودية لا تخوض خصوماتها بالاثارة وقرع الطبول بل بالسعي الدائم والدؤوب الى احياء روح التضامن بين الدول العربية ولكن وفق القواعد والاسس التي تخدم جوهر المصالح العربية المشتركة.
وثانياً لأن سياسة الرياض في لبنان واضحة ومعروفة وهي تماما كما وصفها بيان السفير عبد العزيز خوجه امس، تقف على مسافة واحدة من الجميع وهمها الاول والاخير ان يتجاوز لبنان ازمته.

 

اليوم يصل سعادة الامين العام وقد بلغت الصعوبات المثارة حول انتخاب سليمان عنان السماء، بما قد يجعل من 11 شباط موعدا جديدا مع الخيبة. فماذا سيكون ذلك “الحديث العربي الآخر”؟ وكيف سيقوم موسى بـ”تخليص ضميره” وسط ازمة لبنان التي تطفو فوق ركام من الضمائر المسخّرة؟!

المصدر:
النهار

خبر عاجل