كتب يوسف حاج علي في صحيفة “السفير”:
“إجت الكهربا!”، صرخ مصطفى، المراهق صاحب الصوت العريض، بأعلى صوته. حمل صوته شيئاً من إشارات السعادة وبدا كمن تلقّى هديةً.
ركض الجيران إلى المنوَر المكشوف حيث خزانات المياه من دون أن يأبهوا بالمطر المتساقط فوق رؤوسهم. ضحكت نبيلة، العزباء الأربعينية. سخرت بصوت عالٍ من فوضى توزيع المياه في الحياة. السماء ترسل وافر مطرها خلال هذه الفترة فتغرق الناس بالمياه في الشوارع، فيما يظل خزان مياهها خاوياً.
كان مصطفى قد “حجز” نبريش المياه عندما وضعه في خزّانه في وقت سابق ليكون أول من يستفيد من مياه البئر عندما يعود التيار الكهربائي. فالبئر تعمل بطاقة الكهرباء. وفي بيروت ما زال التيار الكهربائي ينقطع ثلاث ساعات كل يوم.. وكلما هبّت ريح قوية.
مياه البئر صارت قليلة ومالحة. يمكن التأكد من ذلك من المواد الكلسية التي تتحجّر فوق الحنفيات في البناية. والمياه المالحة تساهم بسرعة اهتراء الغسالات الكهربائية وسخانات المياه داخل منازل البناية.
حفرت البئر في البناية البيروتية العتيقة خلال فترة الثمانينيات في زمن الحرب والفوضى. ولما لم تعد مياه “الدولة” باستمرار إلى القساطل بعد انتهاء الحرب، كما كان من المفترض أن يحصل مع معظم الخدمات الأخرى، صارت البئر ملجأ السكان الأول في ما خص مياه الاستخدام. ومن لم يدفع وقتها خسر فرصة المشاركة. لكن مع مرور الوقت، وكثرة الاعتماد على البئر، صارت المياه تجف تدريجياً داخلها. غير أن فكرة انقطاع المياه من البئر، في زمن الشح، وكل زمن هو شح في هذه البلاد، صار هاجس السكان الأول.
في الطبقة الثالثة، كانت أم وليد تسوّي حجابها كي تلحق دوراً لها بعدما نفدت المياه في “البركة” فوق تتخيتة الحمام. الحاجة الستينية صاحبة الشخصية القوية صرخت لنبيلة من الشباك “أنا من بعدك” قبل أن تغلق باب بيتها لتلاقي جيرانها في المنوَر بتقليد يشبه يومياتهم في زمن الحرب. كأن الحرب لم تنتهِ، وكأن شيئاً لم يتغيّر في عادات الجيران.
بدأ صوت موتورات خزانات المياه في المنوَر يلعلع. الجيران غاضبون بشدة من المياه والكهرباء المقطوعتين. لوزير الطاقة والمياه في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل الحصة الأكبر من هذا الغضب. الخدمتان مرتبطتان بالحكومة، والحكومة في هذه الحالة هي الوزير المختص والوزير المختص معروف. أما مسائل مثل فترة الشح التي سبقت العاصفة ألكسا، والفراغ الذي يقضم المؤسسات، وازدياد الطلب على المياه بسبب وجود أكثر من مليون لاجئ سوري فهذه تفاصيل لن تصل إلى منوَر البناية. ولا أحد أصلاً مهتم بأن تصل.
طرح أبو رامز، السبعيني المتقاعد، سؤالاً تفتّقت عنه مخيّلته: هل تنقطع الكهرباء والمياه في وزارة الطاقة والمياه مثلما تنقطع لدى الناس العاديين؟ انفجر الجيران بالضحك وازداد غضبهم من السؤال الذي لفتهم. لكنهم اتفقوا على أن المياه والكهرباء لا تنقطعان في الوزارة ولا في منزل الوزير. فوافقهم أبو رامز الذي كان يسوّي كيس النايلون الذي وضعه كقبعة فوق رأسه اتقاء من المطر وراح يتلفظ بكلمات غير مفهومة لا تخلو من نبرة تشبه نبرة الشتائم.
تنقسم الدورة الأولى لـ”النبريش” ربع ساعة لكل خزان فينال الجميع قسطاً من المياه ييسّر أمورهم قبل أن يعود النبريش في دورة ثانية. هكذا كانوا قد اتفقوا في ما بينهم. لكن الالتزام باتفاق الشرف هذا لا يظهر واضحاً في الممارسة عند تناقل النبريش بين الخزانات. فمن كان مهذباً ودمثاً خجل من نفسه وسلّم النبريش عند انتهاء الوقت المحدد. أما من كان صاحب لسان سليط أو شخصية محتالة تواطأ للفوز بدقائق أخرى.
عندما وصل النبريش إلى خزان أم وليد صرخت لابنتها كي تشغّل موتور المياه وتبدأ بالـ”تخزين”. والتخزين يحصل في الحمام. الحمام في منزل أم وليد مثير للضحك. دلو المياه الواحد فيه صار عشرة وبالكاد يجد المرء مساحة لقضاء حاجته. تملأ أم وليد كل ما هو مصنوع من بلاستيك. الدلو و”الطشت” والقناني الفارغة. لو قدّر لها أن تملأ الكاسات والأكواب وفناجين القهوة ما ترددت في ذلك، فمياه “الدولة” التي لا يمكن الاعتماد عليها لا تصل إلا بضع ساعات كل يومين. وأحياناً أكثر. صار غسيل الملابس بمواعيد محددة. حمامات أفراد العائلة تغيّرت آليتها من “الدوش” الذي يستهلك كثيراً من المياه إلى اقتصاد الدلو و”الكيلة” والطبلية الخشبية. حتى ضربة “السيفون” لم تعد ترفاً، بل توجب تخفيف اليد فوقها والاعتماد على الإبريق.
تخبّر السيدة الستينية عن كل ذلك وتأسف على حال البلد الذي يسير إلى الوراء فيما الكوكب يسير إلى الأمام. لكن أم وليد، بعد برهة من الصمت، تعتقد أننا نستحق انقطاع المياه والكهرباء وكل ما يصيبنا. فحتى لو “اجتاحنا الجرب وأكل رأسنا القمل لن يتغير شيء”، برأيها، ما دمنا غارقين في سباتنا المزمن. تقول بلوعة: “في الماضي كنا نتبادل المعايدات في مثل هذه الأيام. أما اليوم فصارت أقصى أحلامنا تقتصر على كلمة نعيماً”. تبتسم ابتسامة صفراء، تسوي حجابها مرة أخرى، قبل أن تتحرك نحو خزانها. لقد وصل دور النبريش إليها. تسير على رؤوس أصابعها ببطء كي لا تتزحلق على الأرض. فالمطر كان ما زال منهمراً.