كتب وسيم ابراهيم في صحيفة “السفير”:
لا يبدو ألكسندر فرولو مسروراً في معرفة أن “ميدان” كلمة عربية، ولا بشهرتها الرمزية لـ”الثورات العربية”. يلتفت الشاب الأوكراني إلى ثلاثة من رفاقه، وجميعهم من الناشطين البارزين، ويقول إنّ “ميدان” كلمة أوكرانية قحة. لا يريد لشهرة أخرى أن تنتزع صيت تحركات “ميدان” كييف. يؤازره الرفاق بإيماءات رؤوسهم، بينما يصرّ على خلاصته: “ظروف احتجاجاتنا مختلفة تماماً، ولا يوجد أي تقاطعات”.
بالرغم من تمييزهم لحراك بلادهم عن الحراك العربي، لكن عملياً هو “موديل” الاحتجاج الذي يبدو ذاته. طريقة التنظيم، الدعم والحشد، وتأمين تغطية واسعة تزود بها شاشات العالم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. في “ميدان أوروبا”، ساحة الاحتجاج الرئيسة في كييف، أقاموا منصة عمل تعمل على مدار الساعة.
تلفت أناقة الشبان الثلاثة وزميلتهم الأنظار، وهم يتجولون بلباسهم الرسمي الأسود في أروقة البرلمان الأوروبي في مدينة استراسبورغ الفرنسية. وضعوا علم بلادهم على صدورهم كما توضع الأوسمة. يقولون إنهم ليسوا غافلين عن محاولة المعارضة السياسية الاستحواذ على “احتجاجات شعبية غير مسيّسة”.
خلال حديثهم إلى “السفير”، يحرص هؤلاء الناشطون على الفصل الصارم بين ما يحدث الآن وبين تظــاهرات “الثورة البرتقالية” في العام 2004.
تقول يونا شيكالييفا “وقتها كانت المعارضة تقود الحراك في سبيل الصراع على السلطة، لكن الآن المجتمع يتظاهر من أجل المستقبل والاندماج مع أوروبا”.
جميع هؤلاء الناشطين لا يزالون على مقاعد الدراسة الجامعية في كييف. الشبان يدرسون القانون، ويونا على أبواب التخرج من قسم العلوم السياسية. إقامة هذا الفصل بين “الثورة البرتقالية” وحراك الآن، ليس فقط لإظهار الفرادة والجدة. إنه طريقة أخرى ليقول الناشطون إن هدف المعارضة السياسية لم يتغيّر، لكن الجديد هو “تفجّر” نقمة المجتمع وخروجها إلى الشوارع.
تجمع يونا ردود فعل زملائها، وجملهم المتناثرة، وتقول “نعرف أن المعارضة تريد السلطة مجدداً، وهم بالطبع يريدون استخدام حراك الشباب. لكن المعارضة لا يمكنها قيادة الاحتجاجات”.
وتضيف حاسمة النقاش، “لا توجد شخصية في المعارضة يمكنها قيادة الاحتجاجات، ولا توجد في الأساس معارضة موحدة يمكنها أن تجمع الدعم”.
بعدما أصغى إلى الجمل المتماسكة التي أوردتها زميلته، يجد بيلوس أوليغ الفرصة سانحة ليدلي بإضافة هنا. يقول إن “في صفوف المعارضة رجال أعمال أيضاً، وهؤلاء لديهم مصالح خاصة متداخلة مع السياسة. كل هذا لا يعنينا”.
ألكسندر هو الأكبر سناً بين زملائه، وعمره لم يتجاوز 23 عاماً. لكن هذا لا يمنعه من استباق كل جدل حول كون اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي لن تأتي بمنافع سريعة، أو بحلول لمشاكل اقتصادية كبيرة من عجز موازنة وديون هائلة. يقفز عن كل هذا، ويقول “نريد ضمان مستقبل أولادنا، وهذا ممكن فقط بأن نكون ضمن أوروبا”.
يتبادل الشبان الأوكرانيون الأدوار وهم يتحدثون عن حراكهم. يشرحون كيف أدى العنف الذي مارسته “الشركة” (بحسب وصفهم للسلطة) إلى تأجيج الاحتجاجات، وانضمام جموع لم تكن قد التحقت بها بعد. وصلت الأمور في رأيهم إلى مفترق طرق لا يمكن الالتفاف حوله: الرئيس فيكتور يانوكوفيتش وعد شعبه بتوقيع الاتفاقية مع الأوروبيين، وتراجع قبل أيام من موعد الوفاء بذلك.
لذلك، يؤكدون أنه لا يمكن للمعارضة التلاعب، والالتفاف على مطالب الاحتجاجات، عبر مفاوضات تسوية مع الرئيس. يمكن للمعارضة أن تلعب كما تشاء، لكن هدف المعتصمين في صقيع كييف واحد. يردده ألكسندر “توقيع الاتفاقية مع الاتحاد الأوروبي. لا رجعة عن ذلك، ولا حل وسطاً”.
يضحك رفاقه من انفعاله الذي جعل مثاله عن “المفترق الحاسم” مشوشاً. يعيد صوغ كلماته “المسألة تماماً كما لو أن هناك ديناصوراً في الشارع، وهناك من يقول لك تعال نتصرف كأنه غير موجود. هذا مستحيل. الناس محتشدة وتريد الالتحاق بأوروبا”.
المعارضة تحاول المناورة. فبعدما نزلت بشعاراتها إلى الاحتجاجات، قامت أخيراً بسحب راياتها وتوحيد رفع الأعلام الأوكرانية والأوروبية فقط.
بالرغم من صغر سنهم، إلا أن هؤلاء الناشطين يتصرفون على المنابر بانضباط لافت. مَن يستمع إليهم، لا يتبادر شك إلى ذهنه أنها بداية واعدة لمسيرة مهنية في السياسة.
على منصة المؤتمر الصحافي، تبادلوا قراءة فقرات من بيان ومطالب أعدوها للمناسبة. فنّدوا حجج السلطات لقمع الاحتجاجات، وتحدثوا عن مفارقة أن قرارات تدخل الشرطة تنام طوال اليوم، ولا تصدر إلا في الليل. يريدون محاسبة من مارس العنف، وإطلاق سراح محتجين “معظمهم ناشطون سلميون وبينهم صحافيون”.
لا يبدون أي حساسية من طلب الدعم والعون. يريدون بوضوح “تضامناً قوياً” من سياسيي أوروبا. لا مكان هنا لخجل من “التدخل الخارجي”. هدفهم أصلاً هو الاقتراب والاندماج في هذا “الخارج”.
وفي الوقت ذاته، يراعون العلاقات مع روسيا، يقولون إنه لا يمكن الهروب من ضرورة “التعاون” مع الجار الكبير، لكن من داخل أوكرانيا أوروبية. لا تفلت من ألسنتهم مآخذ. فعندما سألناهم إن كانوا يخشون الصدام مع مؤيدي الرئيس، قال ألكسندر مستأذناً زملاءه الردّ “احتجاجاتنا سلمية تماماً، لذلك لا مكان بيننا للعنف. إذا هاجمنا طرف آخر فسندافع عن أنفسنا”.
وجاءهم أحد نواب رئيس البرلمان الأوروبي. بعد تحيتهم، وقبل أن يعرف أسماءهم، وجّه أحد مساعديه كي يلتقط له صورة معهم. شبك يديه بأيديهم، في صورة سيخال من يراها أنها لمجموعة محاربين قدامى. دقائق وستكون الصورة على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما تحوّل بدوره إلى لوحة إعلانات للانتخابات الأوروبية المقبلة، في أواخر شهر أيار المقبل. حملة المنافسة بدأت. لكن الشباب لم يمانعوا، بل على العكس: استمهلوا النائب الأوروبي حتى يأخذوا هم أيضاً صورتهم.
في قاعة البرلمان الأوروبي، كان التصفيق على أشدّه، حينما كانت ريبيكا هارمس، زعيمة “كتلة الخضر” النيابية تقدم بطريقة مسرحية وفداً قادماً من “ميدان أوروبا”، جاء من كييف بدعوة منها.
التنافس على “التبارك” بالاحتجاجات وبالصلة معها، دفع زميلها الجالس بجوارها، زعيم الليبراليين غي فيرهوستات، إلى ممازحتها بنكتة لم تُسمع. لكن الميكروفون نقل ملاحظتها الصارمة له “القضية جدّية تماماً، ولا داعي لنكاتك الآن”.