في أيار 2007 عندما طوق الجيش اللبناني مخيم نهر البارد حيث كان يتحصن تنظيم فتح الإسلام بقيادة شاكر العبسي أعلن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله أن المخيم خط أحمر. كان التنظيم قد بدأ معركته ضد الجيش بعمليات على تخوم المخيم وفي قلب طرابلس حيث قيل يومها أنه كان يحضر لأعلان طرابلس والشمال إمارة إسلامية. وكانت الحكومة برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة ووزراء حزب الله وحركة أمل مستقيلون منها بسبب مطالبتها بإنشاء المحكمة الدولية وكان العماد ميشال سليمان قائدا للجيش. على رغم تحذير السيد حسن نصرالله اتخذ القرار بالحسم ضد فتح الإسلام واقتحام المخيم. اليوم تتبدل المعطيات وتتحول المخيمات إلى بؤر تعمل فيها مجموعات ضد حزب الله محددة بالأسماء، فهل ما زالت المخيمات خطا أحمر بالنسبة إلى حزب الله؟
لم يشارك حزب الله في حرب المخيمات التي حصلت على في العام 1986 بين حركة أمل والفلسطينيين. كان الحزب يتفرج على الحركة تغرق في هذه الحرب ويتحضر لوراثتها عسكريا. عندما استطاع الفلسطينيون أن يخرجوا من مخيم عين الحلوة ويكسروا الحصار الذي فرضته الحركة ويحتلوا مغدوشة ويتقدموا في اتجاه قلب الجنوب تدخل الحزب ليشكل قوات فصل بينهم وبين الحركة.
على مدى أعوام بنى الحزب استراتيجيته الفلسطينية على أساس دعم الحركات الإسلامية ضد حركة فتح لا سميا حماس والجهاد الإسلامي. كان من البداية ضد حركة فتح والسلطة الوطنية الفلسطينية وضد اتفاق “أوسلو” وكان يريد أن تكون حماس والجهاد جسر عبوره إلى القضية الفلسطينية والقدس وإلى المخيمات ولذلك شكل مجموعات كثيرة للتنسيق معها من أجل إرسال السلاح إلى الضفة الغربية وقطاع غزة وأقامت قيادة حماس والجهاد في لبنان في الضاحية في حمى الحزب واعتبرت الحركتان تكمىن محور الممانعة الممتد من إيران إلى سوريا ولبنان.
لم تكن قصة سامي شهاب الذي اعتقل في مصر أواخر عهد الرئيس حسني مبارك إلا رأس جبل التنسيق بين الحزب وحماس. لقد أعطى الحزب كل ما لديه من خبرات للتنظيمات الأصولية الفلسطينية وساعدها في حفر الأنفاق عبر منطقة رفح ووصل إلى حد التحضير لعمليات في مصر. نجح الحزب في إطلاق سامي شهاب بعد انهيار حكم مبارك ولكن في الوقت نفسه كانت علاقته مع حماس قد بدأت تنهار. ذهب هو إلى مذهبيته الشيعية في دعم نظام الأسد في سوريا وذهبيت الحركة إلى دعم المعارضة في أكثريتها السنية وفي تأييد حكم الإخوان المسلمين والرئيس محمد مرسي في مصر.
عندما ذهب الحزب للقتال في القصير وجد أشباح حركة حماس هناك. نقلت الحركة ما تعلمته من الحزب إلى الذين ذهب لقتالهم. أنفاق وتفخيخ وقتال فردي وتكتيك في الهجوم والدفاع والإنسحاب. أكثر من ذلك تبين للحزب أن أحد مرافقي رئيس المكتب السياسي في حماس خالد مشعل كان يشرف على تدريب المعارضين في سوريا.
المسألة لم تتوقف عند حدود القصير. انتهى حزب الله من المعركة هناك ليجد أن حماس تنقل المواجهة إلى مخيمات لبنان. قبل اندلاع الثورة السورية كان الحزب تمكن من تحقيق توازن الرعب داخل المخيمات بين حماس وفتح وبالتالي تعطيل البندقية الفلسطينية من الداخل. كانت فتح مع السلطة الوطنية الفلسطينية أقرب إلى محور 14 آذار في لبنان بينما كانت حماس مع الجهاد افسلامي في خط حزب الله. ولكن أمورا كثيرة تبدلت منذ اندلع القتال في مخيم اليرموك في دمشق وسيطرة المعارضة السورية عليه بمشاركة حماس وبخيانة مجموعات تابعة للجبهة الشعبية القيادة العامة بقيادة أحمد جبريل. ولكن حتى مجموعات جبريل في لبنان صارت موضع شبهة.

من إطلاق الصواريخ على الضاحية الجنوبية إلى تفجير السفارة الإيرانية تكشفت للحزب أمور كثيرة حول الدور الذي يلعبه عدد من الفلسطينيين ضده من مخيم برج البراجنة في الضاحية الجنوبية إلى مخيم الرشيدية في صور إلى مخيم عين الحلوة شرق صيدا من جون استثناء مخيم شاتيلا في بيروت الأمر الذي أعاد إلى الأذهان صور حرب المخيمات القديمة.
عندما أطلقت أول دفعة من الصواريخ على الضاحية الجنوبية في أيار الماضي تبين للحزب والأجهزة الأمنية اللبنانية أن الفلسطيني أحمد طه متورط في العملية وأن الفلسطيني علاء الدين محمود ياسين يشغله وهو مقيم في مخيم الرشيدية في صور ويتبع حركة حماس. على رغم مطالبة الحركة بتسليمه إلا أنها رفضت التجاوب واعتبرت أنه لا ينتمي إليها.
وعندما حصلت عملية تفجير السيارة المفخخة في بئر العبد في 7 تموز الماضي ذهبت الشكوك في اتجاه مخيم برج البراجنة حيث قيل أن السيارة سرقت من خلده ودخلت إلى المخيم وخرجت منه لتنفجر. وبعد انفجار سيارة الرويس في 15 آب تعززت الشكوك أكثر فقام الحزب بتطويق مخيم البرج وبدأت اللعبة تتحول إلى شيئ من الخطورة والحساسية. الحزب لا يريد افتعال مشكل كبير مع المخيمات وفي الوقت نفسه لا يريد أن تتحول هذه المخيمات إلى ثورة سورية أخرى داخل لبنان. فإذا كان يرتاح إلى القتال في القصير وفي محيط مقام السيدة زينب في دمشق وفي القلمون وإذا كان يتحمل سقوط المئات من مقاتليه هناك فهو لا يمكن أن يتحمل انتقال المعركة إلى عقر داره ولا يريد أن يفتح حربا في قلب الضاحية وفي الرشيدية وفي عين الحلوة ولا يريد أن يلعب الدور الذي لعبته حركة أمل في الثمانينات ويفضل أن يبقي الأمور تحت سقف الأعمال الفردية المعزولة عن الوضع العام في المخيمات. ولكن عندما حاول جس النبض وجد أن الحال ليست كما يريد أو يتمنى.
في أيلول الماضي طوق مخيم برج البراجنة بالحواجز وأخضع الفلسطينيين لتدابيره الأمنية وللتفتيش وتعبئة الإستمارات الشخصية. لم يتحمل الفلسطينيون الوضع. مساء الأحد 8 أيلول حصل ما كان يخشى منه الحزب. خرج موكب عرس من المخيم عبر معبر بنك عودة بعدما كان تم إبلاغ حزب الله بالأمر ولكن على حاجز الحزب تم إخضاع الجميع وتعبئة الإستمارات والتفتيش وصولا إلى جهاز العروس. رفض الفلسطينون. أصر الحزب. خرج الفسطينيون من تالمخيم وهاجموا حواجز الحزب. تصدى الحزب بالنار فقتل محمد السمراوي من المخيم. بعد اتصالات أزال حزب الله حواجزه وأبعد كأس المواجهة وأدرك أن ثمة جوا معاديا له في المخيمات وأن ما تقوم به بعض المجموعات ليس عملا فرديا ولا يقتصر على بعض الأسماء بل على تنظيمات ولكن هل يمكنه الهروب من هذه المواجهة. أم أنه سيجد نفسه منجرا إليها قسرا؟
عندما تمت عملية تفجير السفارة الإيرانية كان الحزب يتوقع حصول عمليت انتحارية ويتخذ تدابير وقائية منها لا سيما خلال مراسم عاشوراء. ولكنه تفاجأ حتما عنكما ثبت لديه أن من قاما بالتفجير هما اللبناني معين أبو ظهر من صيدا والفلسطيني عدنان موسى المحمد من مخيم عين الحلوة ومقيم في العاقبية قضاء الزهراني. وقد كانا قريبين من الشيخ أحمد الأسير. لم يقتصر الأمر على هذا الحد. فقد تبين للحزب أيضا أن الشيخ بهاء الدين ح. ربما هو كان صلة الوصل بين الإنتحاريين وبين الجهة التي خططت للتفجير وأعدت السياة المفخخة وسلمتها لهما قبل توجههما إلى هدفهما في السفارة الإيرانية. هذا الشيخ موجود في عين الحلوة ولا يسلم نفسه ولا توجد مؤشرا تجدل إلى أن المخيم في وارد اعتقاله وتسليمه. فالوضع داخل المخيم فالت أمنيا ولا توجد مرجعية واحدة وهو مقسم إلى مناطق نفوذ بين جماعات فتح وبين الجماعات الأصولية التي ترسل المقاتلين إلى سوريا لقتال حزب الله هناك. ولكن الأمر لا يقتصر على هذه الجماعات فقد سبق أن اعتقل حزب الله نجل اللواء منير المقدح أح أبرز القادة الفلسطينيين المحسوبين على فتح في المخيم متوجها إلى سوريا ثم أطلقه في محاولة لفتح خطوط اتصالات جديدة مع المقدح . ولكن في هذه الصورة كلها يبدو أن ما زرعه حزب الله بات يرتد عليه اليوم.
في 15 تموز 2002 قتل بديع حماده ثلاثة عسكريين من مديرية المخابرات في الجيش اللبناني ولجأ إلى مخيم عين الحلوة. شدد الجيش اللبناني الطوق على المخيم ووجه إنذارا إلى قياداته بأنه سيقوم بعملية اقتحامه إذا لم يسلموا حماده. خضع المخيم للإنذار وتسلم الجيش حماده. هل يستطسع حزب الله أن يفعل الأمر نفسه اليوم؟ كيف يمكنه أن يفرض على الفلسطينيين تسليم المتهعمين بالتفجيرات في مخيمات الرشيدية وبرج البراجنة وعين الحلوة. وهل يمكن للجيش أن يقوم بالعملية؟ وهل لا يزال الحزب يعتبر أن المخيمات خط أحمر؟ وكيف سيتصرف؟ هل يقف مكتوف اليدين عاجزا عن مواجهة هذه المشكلة التي لم تعد تتعلق بالمتهمين فقط؟ وهل سيجد نفسه مضطرا للعب الدور الذي قامت به حركة أمل في حرب المخيمات أم أنه سيظل يتعاطى مع هذه القضية على أساس أنها مهمات أمنية محدودة يتم حلها أمنيا من خلال عمليات محدودة؟ وهل بات من مصلحته أن يكرر الجيش اللبناني تجربة نهر البارد في مخيمات أخرى؟ وإلى متى يمكنه أن يؤجل هذا الإستحقاق المر؟

أبعد من كل ذلك، ماذا سيفعل الحزب إذا تبين له أن فلسطينيين لهم علاقة ما باغتيال حسان اللقيس أحد أبرز قادته الأمنيين والعسكريين؟ لا شك في أنه يطرح على نفسه هذا السؤال وأنه على رغم توجيه التهمة إلى الموساد الإسرائيلي فهو لا يلغي هذا الإحتمال وأنه بدل رسم الخطوط الحمر حول المخيمات بات يرسم دوائر حمراء حول أهداف محددة داخلها.
yalla !!! taabekh alsam 2aakiluluh
الى متى سوف يبقى خطوط حمراء؟
لعل وعسى في العهد القادم ان يتحول الاحمر الى اخضر ويبدا حك الاصابع