خطاب الأقلية: "انتخبوني.. كي أبقي الوضع على ما هو"!
لا تقول الأقلية النيابية، وخطابات المرشحين على لوائحها للانتخابات النيابية المقبلة، الا كل ما "يبشر" اللبنانيين بأن ما ينتظرهم بعد الانتخابات، وأيا تكن نتائجها، هو جدار عال ومسدود على كل الصعد.. السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية سواء بسواء. وتعتبر الأقلية، على عكس ما يفترض العقل والمنطق، أن خطابها هذا في مستوى حملة انتخابية ناجحة من شأنها أن تجمع حولها الناخبين وتأتي بها تاليا الى الندوة النيابية.
بين أطراف هذه الأقلية، " حزب الله " تحديدا، من يقول بصوت عال ان هدفه الأول والوحيد من الانتخابات هو الحصول على أكثرية في المجلس النيابي توفر له ديمومة وحماية سلاح الحزب من جهة، وحكم البلاد ـ بالثلث المعطل اذا قبل به الفريق الآخر، أو من دونه ـ من جهة ثانية، واعتبار "اتفاق الدوحة" نوعا من الكتاب المقدس (الدستور و"اتفاق الطائف" ليسا كذلك في خطابه السياسي!) الذي لا يجوز مسه من جهة ثالثة.
يجري هذا الكلام علنا، في الحسينيات ومجالس العزاء وأمام الماكينات الانتخابية وفي الصحف وأجهزة الاعلام، فيما يعرف الحزب وناخبوه جيدا أن طروحاته هذه موضع تحفظ ـ ان لم تكن مرفوضة تماما ـ من العديد من القوى السياسية والمكونات الطائفية في البلد. فلا بقاء السلاح على ما هو في أيدي الحزب مسلم به، ولا "الثلث المعطل" في الحكومة مقبول، ولا بعد ذلك كله "أمر واقع لا فكاك منه" أو "كتاب مقدس" هو ذلك الاتفاق الذي عقد في الدوحة "لأنه كان استثناء أملته ظروف غير طبيعية في كل من رئاسة الجمهورية والحكومة ومجلس النواب وقلب العاصمة… فضلا طبعا عن شبح الحرب الأهلية الذي دخل كل بيت غداة 7 أيار المشؤوم.
والمفارقة أن الحزب يواصل كلامه هذا، بل ويصعده يوما بعد يوم عشية الانتخابات، ليكون بذلك كمن يخاطب الناخبين بقوله: انتخبوا مرشحي ومرشحي حلفائي، وأعطونا معا أكثرية في مجلس النواب، لتساهموا معنا في تدعيم وإعلاء الجدار المسدود الذي يصطدم به هذا البلد منذ أكثر من أربعة أعوام حتى الآن.
ومن بين أطراف هذه الأقلية أيضا، "التيار الوطني الحر"، الذي يصرخ علنا أن غايته من الفوز في الانتخابات، فضلا عن دعم حليفه "حزب الله" وتغطيته في السياسات التي ينفذها، استعادة ما يقول انها "صلاحيات انتزعت من رئيس الجمهورية" في الدستور الجديد للبلاد، والعمل على اقامة "تحالف أقليات" ليس في لبنان فقط بل على كل مساحة المنطقة التي وصفت يوما بأنها ساحة "المسألة الشرقية"، وصون حقوق الطوائف المسيحية ( المقصود الأقليات كلها ) في وجه الأكثرية الاسلامية السنية، وصولا الى "الجمهورية الثالثة.. الثابتة" التي تطلى شعارا على الجدران من دون أن يكلف أي من قادة التيار نفسه مهمة تفسير معناها أو تحديد هويتها ومحتواها أو حتى كيفية الوصول اليها.
يجري الكلام عن ذلك كله، في الندوات والمؤتمرات الصحافية والبيانات واللقاءات المخصصة لاعلان اللوائح والماكينات الانتخابية، بينما يعرف التيار وناخبوه أن هذا الكلام يقف على النقيض تماما مما توافق عليه اللبنانيون، ومحضه المجتمع الدولي تأييده ورعايته، منذ أكثر من عشرين عاما في "اتفاق الطائف".
كما يعرف التيار وناخبوه، فضلا عن ذلك، أن أحدا لم ينس بعد أن هذا الاتفاق والدستور الذي انبثق عنه كانا كلفا اللبنانيين حربا أهلية استمرت خمسة عشر عاما وأكثر من مئتي ألف شهيد ومئات الألوف من الجرحى، وأن الغالبية المطلقة منهم لا تريد مجرد الظن بامكان العودة الى الحرب مجددا وتحت أية ذريعة من الذرائع، وأن لبنان مكون أساسا من مجموعة أقليات لا أكثرية ولا فضل لاحداها على الأخرى، وقد أكد ذلك "اتفاق الطائف" بتكريسه المناصفة في الحقوق بين كتلتيه الطائفيتين الكبريين (الاسلامية والمسيحية )، فضلا عن أن شريحة واسعة جدا من اللبنانيين ترى مستقبلها ومستقبل لبنان في الغاء الطائفية السياسية وليس في أي شيء آخر، بما فيه تنازع "الحقوق" المدعاة ـ مكتسبة أو مغتصبة أو مفرطا بها ـ للطوائف والمذاهب والكانتونات الأقلوية.
وبهذا المعنى، فلا يقول " التيار الوطني الحر " بخطابه الانتخابي هذا الا ما يقوله تماما حليفه "حزب الله" لناخبيه المفترضين : انتخبوا مرشحي، وأعطوني الأكثرية في مجلس النواب، لكي تساهموا معي، ومع حلفائي، في إبقاء البلد حيث هو يدور في الحلقة المفرغة اياها أمام الجدار المسدود اياه منذ سنوات!.
ومن بين أطراف هذه الأقلية، "حركة أمل" هنا، من لا يتحدث بوضوح، أو أقله في العلن، عن الأمور السياسية المصيرية الكبرى مع أنه لا يفتأ يردد أنه كان وسيبقى جزءا لا يتجزأ من قوى المعارضة (عمليا، بالقيادة السياسية لـ"حزب الله")، وان كان يحاول تمييز نفسه عند الضرورة من بعض حلفائه فيها. فقيادة "حركة أمل" تحرص على القول، عندما تجد نفسها مضطرة، أنها ما تزال تتمسك بـ"اتفاق الطائف" لكنها تضيف الى ذلك، على سبيل المثال، أن "الثلث المعطل" ليس غريبا عن هذا الاتفاق. كما أنها، في الوقت الذي ترفض مجرد اتهام حلفائها بالعمل من أجل " المثالثة " تحت عنوان مبهم هو "المشاركة الحقيقية" أو أخيرا "الجمهورية الثالثة"، فهي تمارس في الواقع العملي هذه "المثالثة" باسم المقولة الشعبية التي تصرخ بأعلى صوتها " عالسكين يا بطيخ"!.
لكن ذلك، على علو كعبه في عالم المناورة، لا ينفي أن "أمل" وزعيمها رئيس مجلس النواب نبيه بري كانا معا في صلب استقالة الوزراء من الحكومة، وفي أساس منع مجلس النواب من انتخاب رئيس الجمهورية على مدى ستة شهور، بل واقفال المجلس نفسه بدعوى لا شرعية ولا دستورية الحكومة (وصفها بري أولا بأنها دستورية، لكن غير ميثاقية)، كما في مقدمة المشاركين في مخيم الاعتصام في ساحة رياض الصلح.
… ومرة أخرى، يعرف قادة "حركة أمل" وناخبوها أن شريحة واسعة من اللبنانيين تحفظت في خلال السنوات السابقة، وما تزال حتى الآن، من الكثير من هذه الممارسات ـ فضلا عن المناورات اياها ـ، وأن مثل هذه المقاربة للوضع اللبناني لن تؤدي الا الى المزيد من الجمود وتاليا الى إبقاء لبنان يدور حول نفسه في الدائرة المفرغة اياها منذ سنوات.
"انتخبوني، لكي أعمل باسمكم، ونيابة عنكم، وبتفويض من قبلكم، لإبقاء الوضع في لبنان على ما هو الآن".
هل تظن الأقلية النيابية ـ المعارضة السابقة والحالية أيضا ـ أن مثل هذا الشعار في خطابها السياسي الانتخابي يمكن أن يكسبها المزيد من أصوات الناخيين، وتاليا المزيد من المقاعد في المجلس النيابي المقبل؟!.
بانتظار السابع من شهر حزيران المقبل، لا يمكن المرء الا توقع اجابة من نوع معين عن السؤال.