كتب عيسى بو عيسى في صحيفة “الديار”:
لم يكن من عامل الصدفة او عدم التوقع الاعتداءات التي حصلت على حواجر للجيش اللبناني في الجنوب، بالتوازي مع اطلاق نار من قبل جندي لبناني على دورية اسرائيلية. فالاعتداءات على الجيش كانت في دائرة معرفة القيادة العسكرية بواسطة مديرية المخابرات التي كانت تراقب وترصد عن كثب تحركات افراد من المنظمات الاصولية في مدينة صيدا ومخيم عين الحلوة وكل هذه الاستهدافات كان هدفها الوحيد بذة الجيش اللبناني بالذات بفعل الخليط الوطني الذي تكتنزه هذه المؤسسة وهي تضم كافة الطوائف وفق تنشئة عسكرية ووطنية وهذا هو المستهدف بالذات بفعل المتبقي من اجهزة الدولة واقفاً على قدميه هو الجيش اللبناني.
اذن المتوقع قد حصل تقول مصادر أمنية متابعة عن كثب لتحركات المنظمات المتطرفة وبالتالي ان الوقوف وراء الاصبع للتخفي ما عاد جائزاً وعملية استهداف افراد المؤسسة العسكرية بشكل نوعي قد بدأت لتبدأ معها مرحلة انكشاف الصورة كاملة وسقوط بعض الاقنعة، وفيما تعطي هذه المصادر للعملية الانتحارية منحى جديدا في مسار العمليات ضد مراكز وحواجز الجيش فانما تتوقع المزيد منها على خلفيات اجندات مختلفة منها ما هو قريب من الهامش المحلي والبيئات الحاضنة للجماعات التكفيرية والباقي وفق ما هو مستورد من الخارج.
ولكن هل هذا يعني ان حياد لبنان امنياً لم يعد قائماً؟ هذه المصادر لا تعتبر ان الحياد كان قائماً في يوم من الأيام ولم تتبلغ الجهات الرسمية السياسية والامنية اية معلومات في هذا الشأن وكل ما كان يحصل كانت صناعة لبنانية عنوانها النأي بالنفس والتي انقطع نفسها منذ امد بعيد خصوصا ازاء الازمة السورية بحيث اشترك قسم كبير من اللبنانيين وانخرط في القتال هناك وفق اساليب متنوعة ومن يومها سقطت هذه المقولة المحلية وانكشفت الامور ليتبين ان لبنان لا تحكمه مظلة دولية او اقليمية في هذا الشأن، وان «حرب الشهرين» التي تم الحديث عنها على الاراضي اللبنانية قد بدأت بشكل عملاني وان استهداف العامود الفقري للدولة اللبنانية وحماية الناس هو المعني الاول اي الجيش اللبناني.
وتعطي هذه المصادر تفسيرات وتحليلات شتى قريبة من المنطق التحليلي لهذه الاعتداءات النوعية فتقول التالي: ان لبنان لطالما كان ممراً للسلاح والمقاتلين الى سوريا منذ بدء الازمة فيها وبعد معركة مدينة القصير وتوابعها تم تعديل نصفي لهذا الدور وتم تحويل لبنان فعليا من ارض نصرة الى جهاد ولم يكن الاعلان هذا بحد ذاته بحاجة الى استطلاع ميداني اذ يكفي معرفة أعداد النازحين السوريين والفلسطينيين من سوريا كي يتم الاستنتاج ان من بينهم المئآت وحتى الآلاف على أهبة الاستعداد لتنفيذ رزنامة عمل عسكرية تعويضاً عن خسارات معينة وفق ايحاءات خارجية، وان الحديث عن اتباع احمد الاسير وحده هو تقزيم للامور حتى ولو قام انتحاريون من اتباعه بعمليات تفجير وقتل دون تفرقة فالاعمال التنظيمية وحشد السيارات المفخفة والمرقبة الدائمة للمواقع ليست من فعل الاسير وحده لان قدراته اللوجستية محدودة وحقيقة الامر ان القاعدة واخواتها هي الرأس المدبر لما حصل وسيحصل وهذا ايضاً لم يكن خافياً على القيادة العسكرية للجيش الذي يتابع ليل نهار هذه المجموعات واكبر دليل هو رد الفعل الناجح من قبل افراد الجيش على جسر الاولي بقتل من اعتدى عليهم وهو خير دليل على الجهوزية العسكرية على خلفية المعطيات الميدانية التي تملكها القيادة.
وتقول هذه المصادر ان الحديث المتواصل عن الاستهداف الامني للجيش وغيره من المناطق لم يكن مجرد تواصل اعلامي او تعليقات صحفية انما مبني على قراءات موضوعية ومعلومات امنية لا يرقى الشك اليها من قبل المعنيين بالسلم الاهلي في البلاد، وتتخوف هذه المصادر من عمليات نوعية كبيرة يتم التحضير لها مع اقتراب معركة مدينة يبرود في سوريا وهذا ما يعزز النظرة السياسية في الربط بين العنف الجاري في سوريا وانتقاله عمليا الى الاراضي اللبنانية.
وهذه المصادر تعتبر ان كل المناطق مستهدفة ليس في الضاحية وحسب انما في بلدات صغيرة وشوارع ضيقة وكنائس وجوامع وحسينيات لم يخطر ببال احد ان تكون مستهدفة يوما لان المطلوب هو اشعال الساحة اللبنانية بشكل كامل سياسيا عبر استحالة تشكيل حكومة والداعمون لهذا الخيار ليسوا افرقاء محليين فحسب انما هناك من يريد ارسال رسائل متفجرة كبيرة والى حد غير معقول بواسطة الساحة اللبنانية تمهيدا للجلوس على الطاولة عندما يحين موعد انعقادها حول الوضع السوري برمته.
اذا تقول هذه المصادر ان اول حزمة من البريد قد وصلت وهي ذات حجم كبير بفعل استهدافها للجيش اللبناني الذي يعرف هؤلاء انه الحصن المنيع امام بريدهم ورسائلهم والعملية الانتحارية ضد حاجز للجيش اللبناني هي نقلة نوعية بحد ذاتها ذلك ان المخططين يريدون للبلد ان يكون مشلولا بضرب عاموده الفقري ولكن هذه المصادر تعتبر ان لا مبرر للاعتداء على الجيش اللبناني الذي يحتضن الامة اللبنانية كاملة بين جناحيه وعلى امراء هذه الامة تقع مسؤولية دعم المؤسسة العسكرية سياسيا واحتضانها في هذه المفترقات المصيرية لان استمرار استهداف الجيش وسط صمت سياسي يعني نهاية البلد واضمحلاله.