#adsense

1701 أو توازن الرعب

حجم الخط

نجحت قيادة الجيش في بيانها المتصِل بحادثة الناقورة، التي أطلق فيها جنديّ في الجيش اللبناني النار على دورية إسرائيلية وأسفرَت عن مقتل جندي إسرائيلي، في تطويق هذه الحادثة. وأهمية هذا البيان مزدوجة: رَفع المسؤولية عن الجيش كمؤسسة ووَضعها في الإطار الفردي، مع استمرار التحقيق لمعرفة الدوافع وراء العملية، والتأكيد على التزام مندرجات القرار 1701، ولا سيما لجهة التنسيق مع القوات الدولية وحفظ الاستقرار جنوبي الليطاني.

لكنّ هذا البيان، على أهميته، لا يمنع المطالبة بكشف الرواية كاملة لتبيان ملابسات هذه الحادثة التي كان يمكن أن تُشعل حرباً إقليمية، ما يجعل من الضروري طَرح بعض التساؤلات: هل هناك من يريد توريط الجيش اللبناني في مواجهة مع إسرائيل، أو توريط “حزب الله” في هذه المواجهة؟ وهل باستطاعة الحزب فَتح جبهتين ضد إسرائيل والشعب السوري؟ وهل هناك من أراد إيصال رسالة غير مباشرة إلى إسرائيل وبواسطة الجيش لضمان عدم ردّ فعلها؟ وما هي طبيعة هذه الرسالة؟ وهل تتصِل بالمفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية التي تخشى إيران من وصولها إلى النتائج المرجوّة في ظل الكلام عن اتفاق بحدود نيسان، أم انها تتعلّق بأجندة داخلية تهدف إلى إعلاء الملفات الأمنية على حساب السياسية؟

وهل تصرّف العنصر مَردّه إلى إحساسه الوطني؟ أم هو ناجم عن إرباكه؟ أم عن تلقّيه أوامر من جهة معينة؟ ومن هي هذه الجهة؟ وألا يستعلِم الجيش عن عناصره لجهة خلفيّاتها وميولها وتوجهاتها، وتحديداً في المواقع الحساسة التي يمكن أيّ خطأ أن يقود إلى خراب البلد؟ وهل كان ليجرؤ هذا الجندي على إطلاق النار لو لم يكن مطلوباً منه ذلك؟

وإذا كانت قواعد الاشتباك المعمول بها تنصّ على أن تتعامَل الوحدة العسكرية المنتشرة على الحدود مع أيّ اختراق فور وقوعه، ألا يفترض بعناصر هذه الوحدة أن يكونوا أكثر دقة من حادثتي “العديسة” و”الناقورة” اللتين أظهرتا بالحد الأدنى تسرّعاً وعدم حرفية؟ ولماذا استسهال فتح النار قبل العودة إلى رئاسة الوحدة، ومنها إلى القيادة ومراجعة قوات اليونيفيل؟ وما مَردّ عدم التحلّي بضبط النفس؟

وهل هناك مَن يريد ضرب صورة الجيش لدى المجتمع الدولي بإظهار عجزه عن توفير الاستقرار على الحدود بغية تبييض صورته وقدرته على القيام بالمهمة؟ وهل هناك مَن يريد أن يسوّق نفسه لدى المجتمع الدولي بأنه الضامِن للاستقرار بُغية كَسب وظيفة الشرطي على الحدود؟ على غرار محاولات النظام السوري تسويق نفسه بأنه الضامِن للاعتدال بغية كَسب وظيفة مواجهة المتطرفين الذين يعمل على تجنيدهم وإطلاقهم وتصديرهم.

وإذا كان ما حصل قد حصل، إلّا أنه يجب اتخاذ كل التدابير لمنع تكراره، لأنه في لحظة معيّنة قد تكون إسرائيل بحاجة لذريعة من أجل ضرب لبنان واجتياحه، ومن غير المسموح مَدّها بالذرائع لاستهداف البلد لحسابات غير لبنانية. فإسرائيل ومحور الممانعة قد يتقاطعان في لحظة معينة على تفجير المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية، وسيستخدمان لبنان تحقيقاً لغايتهما. وبالتالي، يجب قطع الطريق عليهما من خلال إقفال أيّ ثغرة أو خطأ مقصود لجَرّ لبنان إلى مواجهة لا طائل له فيها.

أمّا الإيجابية الوحيدة لِما حصل، فتكمن بأنّ الضامِن الوحيد لأمن لبنان واللبنانيين هو القرار 1701 الذي أعاد الجيش اللبناني التأكيد على كل مُندرجاته، وقد أظهرت حادثة الناقورة مدى فعاليّة هذا القرار في معالجة أيّ خلل أو اختراق، ما يؤكّد مجدداً أن ليس هناك استراتيجية دفاعية خارج هذا القرار الذي استبدل عملياً اتفاق الهدنة، وأيّ كلام آخر من قبيل ما يسمّى توازن الرعب لا أساس له سوى التهويل وتمديد الأزمة وإبقاء الدولة معلّقة والساحة مُستباحة، فضلاً عن أنّ كلّ فلسفة نظرية الرعب هدفها تبرير بقاء سلاح “حزب الله” الذي تدرّجَ من تحرير مزارع شبعا إلى الدفاع عن لبنان وصولاً إلى إزالة إسرائيل من الوجود، على غرار تدَرّجه في سوريا من الدفاع عن السيّدة زينب إلى مواجهة التكفيريين لحماية لبنان وصولاً إلى الدفاع عن النظام السوري.

وما حصل في الناقورة أيضاً وأيضاً هو رسالة، والأهم أنّ “حزب الله” لم يعد قادراً على إرسال الرسائل بشكل مباشر، لأنه يدرك أنّ ردّ الفِعل عليه يختلف عن رد الفِعل على عنصر في الجيش اللبناني. وبالتالي، هذا الوضع جنوباً يجب حَسمه على قاعدة إمّا أن يحكم القرار 1701 العلاقة بين لبنان وإسرائيل، وإمّا أن يحكمها توازن الرعب بين “حزب الله” والجيش الإسرائيلي. ولكن، من غير الجائز الاستمرار في هذه الازدواجية بين 1701 وسلاح الحزب، هذه المزاوجة التي يستفيد منها الحزب مُستظِلاً الشرعية الدولية. ولذلك، على المجتمع الدولي أن يحسم موقفه: إمّا أن تكون كامل السلطة له، أو ينسحب من جنوب الليطاني.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل