لا يفصل لبنان عن دخول المهلة الدستورية لانتخاب رئيس جديد سوى نحو ثلاثة اشهر، فيما يبدو موقع الرئاسة الاولى أمام خيار من اثنين لا ثالث لهما: الفراغ أو التمديد، في ظلّ تجذر الخلاف الداخلي على وقع توازنات جديدة في المنطقة، والذي لم تتضح معالمه، ولم يظهر منه سوى رأس جبل الجليد المتمثل بالاتفاق الأولي بين إيران والغرب على حلّ ملفها النووي والتوافق الأميركي – الروسي الذي حمل نظام بشار الأسد على التخلّص من سلاحه الكيماوي.
لا تبدو حلول أخرى في الأفق خصوصاً أن الاستحقاق الرئاسي يتزامن مرحليًّا مع جملة استحقاقات خارجية منها انتهاء ولاية الرئيس السوري بشار الأسد وإمكان ترشحه لولاية جديدة، وانتقال الاتفاق الإيراني الغربي، من اتفاق أولي الى اتفاق كامل ونهائي، وسط مخاطر العرقلة بين متشددين ومعتدلين لدى الطرفين رغم أن ولاية الفقيه قادرة على الضبط بين المعتدلين والمتشددين وصولاً إلى اتضاح مآل الموقف الخليجي من التوازنات الجديدة.
وتتجسّد التوازنات الإقليمية الغامضة في حالة جمود رغم مخاطر الانتظار في ظل مرحلة ضبابية. فكيف التوافق على مرشح رئاسي بعد الفشل في التوصل إلى قانون انتخابات مما استدعى التمديد للمجلس النيابي الذي يفشل شهراً تلو آخر في عقد جلسة عامة، إلى تعطيل تشكيل حكومة جديدة رغم مرور فترة قياسية تخطت الثمانية أشهر على تكليف الرئيس تمام سلام؟
واضحة هي جهود “حزب الله” لتحقيق الفراغ. فتصعيد انتقاداته مؤخراً لمواقف الرئيس ميشال سليمان تعني عملياً رفض التمديد، وتشدده في رفض حكومة من غير الحزبيين يعني رغبة أكيدة في نقل الصلاحيات الرئاسية الى حكومة تصريف الأعمال التي كان وراء قيامها قبل أكثر من عامين بذريعة أن مرسوم قبول استقالتها لم يصدر بعد.
في المقابل تريد “قوى 14 آذار” إغلاق دائرة الفراغ المؤسساتي وأن يجرى الاستحقاق الرئاسي في موعده وفق مفهومها للديموقراطية بمعنى تداول السلطة، لكن العجز عن تأمين انتخابات رئاسية، طالما أن مفتاح البرلمان بيد الرئيس نبيه بري، يجعل التمديد أهون الشرّين. لذا هي تكثف مطالبتها للرئيس سليمان بالتوافق مع الرئيس المكلف على تشكيلة حكومية غير استفزازية تحمل الصلاحيات الرئاسية حتى لا تكون بيد طرف واحد على ما هي عليه تركيبة الحكومة المستقيلة. وتوحي المؤشرات، ومنها مواقف واضحة لرئيس الجمهورية، بأن تجنّب فوضى دستورية عارمة يقتضي عدم تسليم الصلاحيات لحكومة تصريف أعمال إنما لحكومة جديدة ستبصر النور، كما آخر الدواء الكي، مع اقتراب المهلة الدستورية التي تبدأ في 25 آذار المقبل.
ويبقى السؤال: هل يسعى “حزب الله” للوصول الى صفقة تعطي التمديد في مقابل الحفاظ على حكومة تصريف الأعمال بانتظار جلاء الصورة الإقليمية؟
وفي حالة الشلل الداخلي يصبح وجود حكومة فعالة ضرورة بسبب تفاقم الوضع الأمني الناجم عن تورط “حزب الله” العسكري في دعم نظام الأسد الذي غذّى المتطرفين اللبنانيين واستورد متطرفين من سوريا وهو ما تجلى في نغمة الانتحاريين المستجدة وفي السيارات المفخخة المتنقلة من منطقة إلى أخرى وفي عمليات مشبوهة تستهدف الجيش رغم الإجماع على إدانتها.
وحدها حكومة جديدة سبيل لمواجهة الأحداث الأمنية بانتظار تبلور التفاهمات الإقليمية والدولية وما إذا كان مخطط الأسد، نظامي أو “القاعدة”، سيؤدي إلى تغيّر أولويات الدول الكبرى، التي أدى تلكؤها سابقاً في دعم المعارضة إلى صعوبة بلورة بديل، أو أنها متمسكة فعلياً بما تدأب على تكراره بأن شرعية الأسد انتهت!