#adsense

“الواجب الجهادي” بين الولاء.. والإغراء

حجم الخط

إخفاقات متلاحقة، هزائم تلو أخرى، فساد وإفساد وغيرها من العناوين المشابهة تُصلح لأن تكون العنوان الابرز للمرحلة التي يمر بها “حزب الله” والتي يبدو انها آخذة بالسير على الطريق ذاته لفترة قد لا تنتهي قبل ان يدفن الحزب آلاف القتلى ويُحيل اكثر منهم من الجرحى على التقاعد من الحياة ليستحق عن جدارة تسميته بحزب المتخمين بالمال وأصحاب الاكف الملطخة بدماء طائفتهم المذبوحة بقرار، والممنوعة بقرار ايضا من التعبير عن ألمها ولو بكلمتي “كفى قتلنا”.

من نافل القول ان جماهير “حزب الله” من الطائفة الشيعية ولغاية حرب تموز العام 2006 كانوا يُعدّون من بين الجماهير الأكثر وفاءً لقادتهم ولنهج حزبهم رغم المراحل الصعبة التي مرّوا بها منذ الاحتلال الاسرائيلي للجنوب والتي ما كانت تزيدهم الا تشبّثاً واصرارا على التمسك بأرضهم والمضي في طريق المقاومة الذي اختاروه عنواناً لرحلتهم الطويلة مع القهر والعذاب الى حين تولّد النصر من جراحهم وآلامهم فستحقوا عن جدارة انتماءهم الى “خير أمة”.

اليوم تبدّلت الأحوال وخير امة لم تعد بخير، فابناؤها يُقتلون ويَقتلون، يُقدّمون قرابين على مذابح النووي والكيميائي ويُزج بهم في حروب الغير تحت مسميات عدة منها الاستباق، حماية المقامات والواجب الجهادي. قليلة هي البيوت الشيعية التي لم يزرها الموت حاصداً أبناءها وكأن الحياة لا تليق بهم، شُبان يوعدون بآخرة “حرّة نظيفة”، فيذهبون الى الموت المحتّم بأرجلهم حياءً من المكرمات التي تُغدق عليهم من بركات “الولي الفقيه” من ماء وكهرباء ومدارس وتعاونيات وغيرها من المغريات الحياتية في ظل تقاعس واضح من الدولة التي يتعذر عليها تأمين كل هذه المستلزمات أو بعضها حتّى.

ربيع أو “جهاد” كما يُحب مناداته تيمناً باسم وحيده ابن السنوات الثلاث هو احد ضحايا مغريات “حزب الله” لكنها لم تعد تعني له شيئا على الاطلاق منذ تعرّض لإصابة أدت الى بتر ساقه اليُسرى من الاعلى في بلدة القصير السورية قبل سقوطها بعشرة ايام. ورغم المساعدات المادية “الجيدة” نوعاً ما ورغم الاهتمام الخاص الذي توليه له مؤسسة الجرحى التابعة للحزب الا ان هذا كله لا يساوي بنظر “جهاد” دقيقة لعب مع ابنه، يصعب عليه أن يراه يركض في “حاكورة” البيت أمامه ويناديه ليلحق به فلا يُلبّي طلبه، “اتمنى لو انني استطيع لو يعود بي العمر الى ذاك التاريخ المشؤوم، والله لكنت فكرت بابني الف مرّة قبل ان اذهب للقتال في سوريا”.

عائلة ربيع لم تتركه يوماً منذ تعرض للإصابة، جميع اخوته يتواجدون بشكل شبه يومي في منزل العائلة حيث يعيش هو وعائلته مع والده ووالدته، تحاول الوالدة التخفيف من مصاب ابنها قدر الامكان “تقبرني ياحبيبي هيدا نصيب” في كل مرّة تنظر اليه تحاول اخفاء دموعها لكن احمرار عيونها الملازم لها يفضح دموعها على الدوام، “بينقهر بس يشوفني عم ببكي، هوي زغير البيت والمدلل والله والده رح يموت قهر عليه، الله يلعن الحروب والقتل”. وعلى الدوام تُخبر الوالدة كل من يأتي للإطمئنان على صحة ولدها أن زوجها ابو بسّام عرض بأن يتبرّع له برجله لكن الطبيب لم يوافق وأكد له استحالة حصول عملية كهذه”.

تسعة أشهر متواصلة أمضاها “جهاد” في القصير، حكاية من حكايات الف ليلة وليلة يرويها بشكل شبه يومي لعائلته وأصدقائه وفي كل يوم يشعر هؤلاء بأن أموراً كثيرة قد غابت عنهم ولم يسمعوها منه من قبل، يُخبر عن خيانات تعرضوا لها على يد ضباط في جيش النظام وعن اموال قبضها هؤلاء لقاء تسليمهم مواقع مهمة ومنها تلة النبي “ماندو”، وتعود به ذاكرته الى عشرات القتلى في صفوف الحزب سقطوا في القصير ودمشق العاصمة برصاص الشبيحة وجيش النظام لكن التاريخ الاكثر التصاقاً بذاكرته يوم جاء أول قرار يقضي بالدخول الى وسط القصير بالتنسيق مع جيش النظام وشبيحته، “يومها تخلّف هؤلاء عمداً عن القيام بالمهام الموكلة اليهم فسقط لنا أكثر من عشرين شهيداً”.

رغم كل ما قدمه “جهاد” من اجل قضية قد يكون آمن بها يوماً ورغم وضعه الصحي والنفسي الصعب الا انه لم يسلم من تهديد “حزب الله” مؤخراً جرّاء نصيحة كان قدمها لاحد أصدقائه يدعوه فيها للانتباه الى عائلته وولديه وعدم الانجرار وراء العواطف التي تدفعه للقتال في سوريا، لكن هناك من ابلغ قيادة البلدة عن تنبيه “جهاد” لصديقه فأرسلت من يهدده بقطع المعونات في حال تكرر الامر، ومما قاله “جهاد” في تنبيهه “المعركة ليست لنا ونحن نقاتل من اجل أشخاص وليس معتقدات، والله العظيم زرت مقام “الست زينب” أكثر من ثلاث مرّات لكني لم أرَ طلقة واحدة أصابته”، وختم يومها حديثه مع صديقه بالقول “هودي جماعة ما بيخلصوا، كنّا نقتل منهن عشرين واحد خلال ساعة ونعتقد ان المعركة انتهت، لكن بعدها كانوا يرجعون ويصيرون بالمئات، وتفتح المعركة من جديد”.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل