رأيان يتجاذبان المعارضة: إبقاء “الستاتيكو” أو الحسم في الشارع
هل تردّ الغالبية بانتخاب رئيس بالنصف زائد واحد؟
هل تردّ الغالبية بانتخاب رئيس بالنصف زائد واحد؟
اميل خوري
يتجاذب المعارضة رأيان: أحدهما يدعو الى النزول الى الشارع لحسم المعركة بينها وبين الموالاة اذا اخفقت كل المساعي لتنفيذ بنود المبادرة العربية، وباتت افق الحلول مسدودة ولا أمل في قيام مساع جديدة عربية أو إقليمية أو دولية، والآخر يدعو إلى إبقاء لبنان في مرحلة الـ”ستاتيكو” الحالية في انتظار حصول تطورات ومتغيرات محتملة في المنطقة، تنعكس سلبا او ايجابا على الوضع في لبنان. وحالة “الستاتيكو” تعني ان لا انتخابات رئاسية في المدى المنظور ولا تغيير لحكومة الرئيس السنيورة، ولا فتح لأبواب مجلس النواب، واذا كانت هذه الحالة تعرض الاوضاع الاقتصادية والمالية للانهيار والحياة المعيشية للمواطنين لصعوبات جمة، فانها تظل أفضل وأسلم من تعريض البلاد لحرب أهلية وفتنة.
ويرى أصحاب هذا الرأي من جهة اخرى، ان المعارضة اذا كانت هي البادئة بتحريك الشارع، فان الموالاة ستحملها المسؤولية امام الرأي العام الداخلي والخارجي وتتخذ من ذلك ذريعة للرد عليها ومن موقع الدفاع عن النفس اذا عجزت قوات السلطة المسلحة عن ضبط الشارع ومنع اعمال الشغب والفوضى والتعدي على الممتلكات العامة والخاصة لا بل ان الموالاة قد تجدها فرصة لانتخاب رئيس للجمهورية بنصف زائد واحد، وانها اذا كانت قد تجنبت اجراء هذا الانتخاب حفاظا على السلم الاهلي ومنعا لحصول فتنة ولقيام رئيسين وحكومتين في البلاد، فان المعارضة اذا ما قررت النزول الى الشارع لحسم المعركة مع الموالاة، تكون هي البادئة في ضرب السلم الاهلي واحداث فتنة ولا يعود انتخاب رئيس بنصف زائد واحد هو المسبب لذلك كي تتحمل الموالاة المسؤولية. وما دام الشارع سيواجهه شارع والبلاد تنقسم على نفسها نتيجة هذه المواجهة، فقد يكون قيام رئيسين وحكومتين عامل ضبط للفوضى في المناطق الخاضعة لسيطرة كل منهما، الى ان تحصل تطورات تزيل هذا الوضع الشاذ وتعيد للبنان وحدته ارضا وشعبا ومؤسسات.
اما المعارضون الداعون الى تحريك الشارع بعد استنفاد كل المساعي والمبادرات، فيعتقدون انهم حاليا في وضع اقوى فيه من الموالاة، وقادرون على ان يسجلوا انتصارا عليها يمكنهم من العودة الى السلطة بعد تحقيقهم انقلابا ناجحا على “ثورة الارز” و”انتفاضة الاستقلال” فالولايات المتحدة الاميركية مشغولة في انتخاباتها الرئاسية وغارقة في مستنقع العراق وافغانستان، واسرائيل مشغولة باحتواء تداعيات تقرير لجنة فينوغراد وفي تطوير جيشها وفي طريقة وضع حد لتساقط صواريخ حركة “حماس” على المستوطنات وتسبب الهلع لسكانها. وفرنسا تعيش حالة ارباك وفقدان هيبة خصوصا بعد التجربة الفاشلة للمساعي التي قامت بها لحل ازمة الاستحقاق الرئاسي في لبنان.
وبعدما كانت الموالاة تعتمد على القوات المسلحة للدولة في مواجهة المعارضة في الشارع وتحميلها تبعة منع اعمال الشغب والفوضى وحماية مؤسسات الدولة ومنع التعدي على الممتلكات العامة والخاصة، فان حوادث الشياح – مار مخايل والتحقيقات الجارية من شأنها ان تشل تحركها المعول عليه، وتجعلها تلتزم الحياد في المواجهة بين الموالاة والمعارضة واقصى ما تستطيعه محاولة الفصل بينهما ان امكن، ومنع تصادمهما تجنبا للفتنة وابقاء المواجهة في الشارع في حدود القانون والنظام، لان الفتنة كما اعلن قائد الجيش العماد ميشال سليمان “خط احمر والحياد لا يعني تخلي الجيش عن دوره”.
لكن المعارضة تعتقد بان القوات المسلحة قد تفقد بعد حوادث الشياح – مار مخايل قوة التدخل لفرض الامن والنظام والتصدي لكل من يتجاوز حدود الحرية في التعبير عن رأيه في الشارع، وعندها تصبح المعارضة هي المتفوقة على الموالاة كون “حزب الله” يشكل القوة الضاربة ويملك حرية الحركة في مواجهة الموالاة التي تكون قد فقدت اعتمادها على القوات المسلحة للدولة في هذه المواجهة، وعندها يكون المحور الايراني – السوري قد انتصر بواسطة حلفائه في لبنان على المحور الاميركي وتحقق تهديد آية الله خامنئي بانه سيهزم اميركا في لبنان. وهذا يذكر بالبيانات التي صدرت عن “حزب الله” وفيها ان “المراهنات الجديدة على تطورات في المنطقة لن تكون الا على شاكلة المراهنات الخائبة السابقة، ومهما ارتفعت اصوات الابواق الداخلية لجماعة الادارة الاميركية، فهي اعجز من ان تنال من قوى المقاومة والمعارضة”. وصدرت عن بعض المعارضين وتحديدا عن الوزير السابق وئام وهاب تصريحات تعلن عن وضع خطة للتحرك في اللحظة التي تتوقف فيها المبادرات العربية والدولية، وعندما تبدأ المعارضة بتحركها، فسوف يكون مدروسا وشاملا ومفتوحا حتى اعادة البحث في النظام السياسي القائم. وقوله بصراحة: “هناك مشروعان يجب ان يخسر مشروع ويربح آخر. والا فالازمة تبقى مفتوحة ولا نوهم الناس بالوصول الى حل لها”…
لذلك سبق تنفيذ خطة التحرك هذه تنفيذ مخطط إحداث فراغ امني بعد الفراغ السياسي بافتعال حوادث الشياح – مار مخايل لامتحان قدرة الجيش على المواجهة او جعله ينسحب من مراكزه وينكفئ الى ثكنه، كي تعود الدويلات الى الدولة. وعندما ترفض المعارضة بلسان اكثر من ركن فيها اجراء انتخابات رئاسية بحجة انه لا يجوز اجراؤها في ظل الانقسام الداخلي والاستقواء بالخارج كي يستمر الفراغ الرئاسي، وعندما تفرض المعارضة الشروط التعجيزية لتشكيل حكومة وحدة وطنية، لتستمر الحكومة التي تصفها المعارضة باللاشرعية واللاميثاقية وتجعلها شبه مشلولة، وعندما تبقى ابواب مجلس النواب مقفلة، ولا امل في درس واقرار المشاريع المهمة خصوصا تلك التي تتصل بمعالجة الاوضاع الاقتصادية والمالية وبالتزامات لبنان حيال مؤتمر باريس 3، كي تسير هذه الاوضاع نحو الكارثة، وعندما تتكرر حوادث التحرش بالجيش في محاولة لضرب هيبته وفرض تحييده في المواجهة المحتملة في الشارع بين الموالاة والمعارضة، فمعنى ذلك ان الفراغ الشامل لا يفتح الباب للفتنة والفوضى فحسب، بل لمزيد من الاغتيالات وتصفية الحسابات المحلية والاقليمية والدولية على الساحة اللبنانية، ولا يعود في الامكان، في ظل هذا الوضع الخطير، البحث عن تسوية لا غالب فيها ولا مغلوب، بل عن استسلام مغلوب لغالب…