|
|
بتاريخ 25 أيار، تنتهي ولاية الرئيس سليمان في ظل أوضاع وتحولات دولية وإقليمية ولبنانية غاية في الخطورة.
يواجه اللبنانيون هذه الأخطار الجسيمة بانقسام عامودي لا أمل له أن يلتحم ويؤدي لا محالة إلى تهزيل الدولة اللبنانية التي لا بديل عنها لدرك الأخطار التي تتهدد لبنان – الكيان.
فاللبنانيون لم يتفقوا على قانون إنتخابات، مما أدى إلى تمديد (غير دستوري ولكن ضروري) لولاية المجلس النيابي حتى تاريخ 20 تشرين الثاني 2014. وهو معطل في ظل حكومة مستقيلة تصرف الأعمال.
ونظراً لمسار التطورات الدولية والإقليمية التي تنبئ بالأسوء، ليس بالأفق إمكانية لتشكيل حكومة تنال الثقة.
فإذا شكلت على أساس 8-8-8 أو 9-9-6 فلن تتمكن الحكومة العتيدة من الإتفاق على البيان الوزاري لكون حزب الله لن يقبل إلا تضمينه «الثالوث المقدس» (جيش، ِشعب، ومقاومة) أو ما يعادله، ولأن هذا الأمر مرفوض رفضا» باتا» من قبل 14 آذار. وبهذه الحال، تتحول الحكومة إلى حكومة تصريف أعمال بعد شهر من تشكيلها دون أن يبت الدستور بكونها مستقيلة أم لا.
أما إذا شكلت بدون مشاركة 14 و8 آذار فيها بعد أن إستقوى حزب الله بإتفاق أميركا – أوباما مع إيران، فلن تنال الثقة لأن جنبلاط لن يمنحها إياها، مع إحتمال كبير أن ترفض 8 آذار تسليم الوزارات التي «بحوزتها».
بإختصار، على الأرجح أن يكون وضع المؤسسات الدستورية بتاريخ 25 أيار 2014 على النحو التالي: مجلس نيابي ممدد له حتى 20 تشرين الثاني 2014، لا يشرع ولا يراقب، حكومة تصرف الأعمال ومؤسسة الرئاسة فارغة إذا لم يتم إستدراك الأمر.
الموقف المعلن لكافة الأطراف السياسية أو معظمها، يكمن بالتمسك بإجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها وكأن البلد بحالة طبيعية لا ينقصه إلا إستكمال «مشواره الديمقراطي» بإنتخاب الرئيس وعلما» أنهم لم يتمكنوا من إجراء الإنتخابات النيابية، كما من تشكيل الحكومة.
والحقيقة، أن حزب الله لن يقبل أقل من رئيس من يمه، هو الذي يعتبر نفسه منتصرا»، هو وفريقه الإقليمي من خلال مسار تحقيق «الصفقة الكبرى» بين أميركا – أوباما وإيران! وإلا فالفراغ والذهاب إلى هيئة تأسيسية يريدها أن تحول لبنان إلى دولة ممانعة رسميا» في ظلال تقدم مسيرة «الصفقة الكبرى»! وإذا كان هذا حال حزب الله، فلا عجب أن نراه يشن الحملات المسعورة على الرئيس سليمان لقطع طريق تمديد أو تجديد أصلا» لا يريدها هذا الأخير.
يلاقي موقف حزب الله «المعادي» للتمديد أو التجديد موقف غالبية الزعماء الموارنة «الأقوياء» منهم والأقل قوة، الذين يطمحون إلى تبوء سدة الرئاسة الأولى. هذا الطموح مشروعا» لو كانت الجمهورية بألف خير وليست بدائرة الخطر القاتل. أما الطامحين، فمنهم من يعارض التمديد أو التجديد للرئيس سليمان من موقع الخصومة أو العداء ومنهم من يمتدحه ويثمن عاليا» مواقفه الوطنية غير أنه يعارض التمديد أو التجديد له بحجة تمسكه بالديمقراطية الصحيحة وتداول السلطة وبحجة أن سليمان بالذات هو الذي يرفض هذا الأمر.
وهنا، لا بد من التوقف برهة عند مفهوم الرئيس القوي. فإذا كان يعني المرشح الذي له «شعبية» مسيحية، فقد يكون أقواهم الجنرال عون وهو الذي جير شعبيته لحزب الله الجهادي الإسلامي الشيعي الإثني عشري وإلى إيران الإسلامية غير العربية وسوريا – الأسد القاتلة لشعبها، ضاربا» عرض الحائط وبالصميم الخط السيادي الإستقلالي اللبناني الذي لطالما كان في صلب مسلمات مسيحيي لبنان!
وباعتقادي أن المرشح القوي أو الرئيس القوي هو الذي يحصل على أكبر قدر من التوافق عليه والدعم من قبل القيادات المسيحية السياسية والروحية بين من هم الأقوى بعزيمتهم بالدفاع عن سيادة وحرية وإستقلال لبنان. وتكون شعبيته الخاصة به عاملا» مكملا» وليس أساسيا».
من ناحية أخرى، لا بد من إبداء الملاحظات التالية:
1- من الواضح أنه من رابع المستحيلات أن الظروف الموضوعية العامة كما الظروف الذاتية للطبقة السياسية اللبنانية التي حالت دون إجراء إنتخابات نيابية ودون تشكيل حكومة تنال ثقة المجلس النيابي، سوف تسمح بإنتخاب رئيس للجمهورية.
2- من ناحية أخرى، إن رئيس الجمهورية يجسد الدولة اللبنانية ودوره محوري في تأمين وجودها. فهو يؤمن عملية إنتاج السلطة: تسمية رئيس الحكومة، تشكيل الحكومة، توقيع قانون الإنتخابات ومرسوم دعوة الهيئات الناخبة. وهو يوقع القوانين والمراسيم كافة. وهو يسهر على إنتظام الحياة السياسية والدستورية وعلى أمن وسلامة لبنان… وهو رأس السلطة الذي يتوجه إليه الخارج عندما يريد أن يتحدث إلى لبنان…
3- لم يلحظ الدستور كيفية ممارسة صلاحيات الرئاسة في حال شغورها في ظل حكومة تصريف الأعمال، إذ أن نص المادة الدستورية 62 هو على النحو التالي: في حال خلو سدة الرئاسة لأي علة كانت تناط صلاحيات رئيس الجمهورية وكالة بمجلس الوزراء. فمجلس الوزراء هو الحكومة مجتمعة، وحكومة تصريف الأعمال لا يحق لها أن تجتمع.
4- لذا، إن حكومة تصريف الأعمال، أكانت مستقيلة أم لا، لا يمكنها عمليا» ولا يحق لها دستوريا» أن تمارس صلاحيات رئيس الجمهورية، علما» أن رئيس حكومة تصريف الأعمال يكون له قدرا» أكبر من السلطة من رئيس حكومة عادية، إذ أنه في غياب إجتماعات الحكومة، يتصرف بقرارات نيابة عنها. فماذا إذا تحولت صلاحيات رئيس الجمهورية إلى حكومة لا تجتمع.
5 – الفقرة ي من مقدمة الدستور تقر بأن «لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك.». من هنا، لا شرعية لسلطة يغيب عنها الرئيس المسيحي وتضاعف سلطة الرئيسين الشيعي والسني. هذا أمر لا يمكن أن يرتضيه أي لبناني صميم لأي طائفة أو مذهب إنتمى!
6- في حال شغور رئاسة الجمهورية يظل المجلس النيابي بحالة إنعقاد دائم حتى إنتخاب رئيس» للجمهورية. وإذا لم يتمكن من إنتخاب رئيس» حتى تاريخ 20 تشرين الثاني 2014، لا يمكنه التمديد لنفسه مجددا» لأن مهمته في هذه الفترة تكون محصورة بإنتخاب الرئيس ولا يحق له أن يشرع (المادتين الدستوريتين 73 و 74) ولكون قانون التمديد يستوجب توقيع الرئيس أو من يمارس صلاحياته، لكي يكون نافذا». فتتعطل الدولة بشكل كامل ولن يعود بالإمكان إعادة إنتاج سلطات الدولة الدستورية، مما يعطل كافة المرافق العامة. هكذا وضع يضع لبنان بمهب الرياح العاتية التي تعصف بالمنطقة، فتطيح بالكيان اللبناني وبالطائف وتفتح المجال أمام «هيئة تأسيسية» لطالما طالب بها حزب الله المستقوي لفرض على اللبنانيين رؤيته الخاصة للبنان، أي لبنان «الممانعة» التي تقودها إيران.
لذا، خلاص الجمهورية يكمن في تأمين ممارسة صلاحيات رئاسة الجمهورية وليس الإصرار على إجراء إنتخابات رئاسية لا إمكانية لها أن تحصل. وذلك، ليس بالتمديد أو التجديد، ولكن من خلال إستمرار الرئيس سليمان بممارسة صلاحيات الرئاسة للضرورة القصوى وبحكم الواقع إلى حين تمكن مجلس النواب من إنتخاب رئيس جديد أو تشكيل حكومة تنال الثقة، خلافا» لرأي بعض رجال القانون الذين يتمسكون بحرفية المبادئ العامة للدستور، ولا سيما عندما يفتون بأن «مبدأ إستمرارية المرافق العامة» لا ينطبق على رئاسة الجمهورية لأنها تملأ بالإنتخاب.
فهم لا يرون أن شغور سدة الرئاسة في الظروف الخاصة والإستثنائية التي تمر بها المؤسسات الدستورية للدولة اللبنانية سوف تؤدي إلى زوال هذه المؤسسات وبالتالي إلى فوضى وفراغ دولتي وبالتالي إلى توقف المرافق العامة كافة عن العمل!