خطران يتهددان لبنان وقد لاحا قبل اندلاع الازمة السورية وبعدها: خطر ضرب القطاع المصرفي بترويج شائعات مضللة عنه، منها ما يتعلق بتبييض اموال ومنها ما يتعلق بدخول ودائع مشبوهة اليه او بتمويل تنيظمات ارهابية وما يتعلق بمخالفة مصارف الاجراءات الدولية المتخذة لحمايتها من كل ذلك. لكن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة استطاع التصدي لكل هذه الاشاعات والاخبار المضللة والتشويش على القطاع المصرفي نظرا لما له من علاقات وثيقة بعواصم القرارات المالية وثقة باجراءاته. فظل هذا القطاع مصوناً ويشكل قوة استقرار مالي واطمئنانا للمودعين وداعما لمالية الدولة في مواجهة الازمات على اختلاف اشكالها. والخطر الآخر على مؤسسة الجيش ومحاولات المتربصين سراً بلبنان ضرب وحدته وتطويقه بالحروب الصغيرة المتنقلة من منطقة الى منطقة، ومنع محاولته امتصاص تداعيات التفجيرات هنا وهناك بطابعها السياسي والمذهبي الخطير، بغية جعله عاجزاً عن مواجهة كل ذلك لانه الوحيد الباقي سياجاً للوطن ومحافظاً على الامن والاستقرار وان في حده المعقول.
في الماضي اشتعلت حرب داخلية في لبنان جعلت الجيش ينقسم على نفسه والسياسيون ينقسمون حول مواجهة تلك الحرب، فمن يطالب بتدخل الجيش لوقفها ومن معارض ذلك خوفاً على وحدته، ومن قائل بأن عدم تدخله، سيعرضه ايضا للانقسام، واذا بالجيش تحول جيوشاً تقاتل بعضها او مع هذا الفريق او ذاك وصار جزءاً من الشعب المنقسم على نفسه الى ميليشيات. وها ان المتربصين شراً بلبنان لا يتوقفون عن محاولات ضرب وحدة الجيش، فاذا كانت الحرب الداخلية في الماضي شقت الجيش، فإن شقه اليوم قد يشعل فتنة في لبنان لكنها محاولات فشلت حتى الآن لان غالبية الشعب اللبناني ليست مع اشعالها والغالبية هي مع مؤسسة الجيش لانها الوحيدة التي تستطع حماية كل المؤسسات في الدولة، ومن يريد ضرب هذه المؤسسة لا يريد دولة في لبنان حتى في الشكل ليصبح البديل منها دويلات. تعيده الى الماضي الاليم. لكن وحدة الجيش وتماسكه ورفض غالبية الشعب اللبناني العودة الى ذاك الماضي يساعد على منع الفتنة وعلى التحمل بصبر المظاهر المسلحة والاستفزازات. وعلى ما تخلفه المتفجرات من قتلى وجرحى لأن الفتنة ستكون اكثر كلفة منها بكثير. ومع ذلك فان محاولات استهداف الجيش مستمرة مع انه ليس له علاقة مباشرة او غير مباشرة بكل ما يجري حول لبنان ولا سيما في سوريا، وانه اذا كان لا بد من هم وراء عمليات التفجير ان يستهدفوا بعملياتهم من هم منخرطون في الحرب السورية، ولماذا يستهدفون الجيش أليس لتشتيته او ضرب وحدته كي تنهار الدولة اللبنانية وتسود في لبنان شريعة الغاب والاخذ بالثأر في غياب العدالة.
الواقع ان الاستنكار الواسع للمعتدين على الجيش والتنديد بهم لا يكفي، بل يجب ان يضع كل لبناني ما يملك من طاقة سياسية ومالية ومعنوية في تصرف الجيش والا يبقى في لبنان سلاح غير سلاحه اقله ظاهراً كي يستطيع ان يميز بين العدو والصديق، وان يزاد عديده وعدته ليصبح قادراً على القيام بمهماته على اكمل وجه ويكون غطاؤه الشعب كل الشعب الذي سيحاسب كل من يغطي اي معتد على الجيش او بدون سبب.
لانه الوحيد الباقي سياجا للوطن وحامياً لابنائه، وليصبح قادراً بانتشاره على الحدود مع سوريا على منع كل تسلل وتهريب اذ لو انه كان لديه هذه القدرة لحال دون عبور مسلحين من لبنان الى سوريا كما فعل الاردن وتركيا. فاذا كانت حدود لبنان مفتوحة لعجز الدولة، فلا يجوز ان يكون امن لبنان مكشوفاً لئلا يصبح عرضة للزوال، ولا شيء يعوض عجز الدولة وقدرة الجيش المحدودة سوى التزام سياسة النأي بالنفس عن كل ما يجري حول لبنان، ومن لا يلتزم هذه السياسة يكون من المتربصين شرا بلبنان، ولا شيء يحافظ على امن لبنان واستقراره سوى العودة الى طاولة الحوار لاعلان حياد يتعهد كل الاقطاب التزامه بعد الاتفاق على اسس هذا الحياد الذي تحدد باعلان بعبداً.
ثمة من يقول ان في لبنان من ليس له موقف من الحياد قبل ان تنجلي صورة الوضع في سوريا وانه لا يستطيع تحديد موقفه الا بعد جلائها، لان لصورة الوضع في سوريا انعكاسات سلبية او ايجابية على وضعهم وثمة من يقول ان انتظار نتائج ما يجري في سوريا ولبنان في وضعه الهش سياسيا وافيا واقتصاديا، قد لا يبقى منه ما يفيد لتحديد مصيره هم صورة مستقيلة فاذا كان لا بد من خلاص له، فليكن الآن وعدم انتظار ما يجري في سوريا وقد يطول، او بعد انزلاقه الى الهاوية. وهذا يبدأ بالاتفاق على تشكيل حكومة قادرة على انتخاب رئيس للجمهورية له مواصفات المرحلة، اذ لا شيء يحوّل ارض لبنان ساحة مفتوحة لكل انواع الارهاب سوى الفراغ الشامل.