كتبت مي عبود ابي عقل في صحيفة “النهار”:
يتصاعد العنف في سوريا، ومعه العمليات الارهابية في لبنان، يرافقها تصعيد في الخطاب لا ينذر بالخير. يحاول الرئيس نبيه بري التوفيق بين منصبه رئيساً للمجلس النيابي وموقعه رئيساً لحركة “أمل”، وان يؤدي دور المعتدل والمحاور ومبتكر الحلول، ولكن يبدو في طريق مسدود، دفعه للاعلان ان الوضع السياسي مقفل والاتصالات متوقفة. ما الذي اوصل الامور الى هذا الحد؟ ولماذا السكوت عن الكلام المباح في الرئاسيات؟ وهل من حلحلة حكومية؟ اسئلة يجيب عنها رئيس “كتلة التنمية والتحرير” القريب منه النائب ياسين جابر.
> يقول الرئيس بري إن الوضع السياسي في البلد مقفل. فكيف يفتح في رأيك؟
– لم نترك طريقة الا جربناها. لا يجوز القول اننا متفاجئون بما يحصل اليوم. الرئيس بري كان قلقاً منذ زمن، وعندما طرح مبادرته في ايلول الفائت لم يلق تجاوباً معها. قمنا بجولة على جميع الافرقاء، وقرعنا الجرس منبهين الى ضرورة الحوار، وتشكيل حكومة، وان البلد لا يجوز ان يستمر على هذا المنوال… لكننا ووجهنا بأمور شكلية، تجعل المرء يسأل هل كان يجوز الكلام في الشكليات، فيما البلد يندفع سريعا نحو الهاوية؟
> ما هي بالتحديد تلك الشكليات؟
– البند الاول في المبادرة يقول بالسعي الى التوافق على شكل الحكومة ومن يشارك فيها. قامت القيامة وقعدت على اساس ان هذا سلب لصلاحيات رئيس الحكومة، وكان في الواقع لمساعدة الرئيس المكلف. كي لا يبقى في هذا الوضع الظالم له، وليتمكن من القيام بما يريد لخدمة لبنان. كذلك في موضوع تأمين كل الامكانات والمستلزمات للجيش، وهذا يفترض ان يكون موضع اجماع كما انه احد بنود “اعلان بعبدا”، اعتبروا الأمر من صلاحيات الحكومة، ولا يجوز بحثه على طاولة الحوار. استشعرنا منذ زمن ما سنصل اليه، وحتى الآن لا تزال يدنا ممدودة.
> ممدودة ولكن بشروطكم. فأنتم أيضاً لا تتنازلون. إما صيغة 6، 9، 9 والا فلا حكومة.
– فريقنا يشعر بأن قبوله بتسع وزراء هو في ذاته تنازل. الفريق الآخر لا يملك الأكثرية النيابية.
> وهل تملكونها انتم؟
– الفريقان لا يملكان الاكثرية، ولذلك نقول بـ6 – 9 – 9. فريقنا يمثل 45% من المجلس النيابي، والفريق الآخر 45% أيضاً، وهناك فريق في الوسط. عملياً ليس في امكان الفريق الآخر وحده ان يشكل حكومة، وأصبح واضحاً بعد موقف النائب وليد جنبلاط الصريح والمعلن، والذي ابلغه الى رئيس الجمهورية والرئيس بري، انه لن يشارك في حكومة أمر واقع ويفضل حكومة وحدة وطنية، وموافق على صيغة 9 – 9 – 6. أصبح واضحاً بالتالي ان الفريق الآخر غير قادر على تشكيل حكومة لوحده، ولا فريقنا ايضاً. لا يقدر ولا ينوي تشكيل حكومة من فريق واحد لكي لا نزيد الوضع التهاباً ويحصل شرخ اكبر في البلد. لذا نقول ان هذه الصيغة تنتج حكومة شراكة وطنية حقيقية، بمعنى ان ليس لاحد اكثرية، وكل فريق يتمثل بحسب حجمه.
تحالف المعتدلين
> لكن الأمر ليس مسألة احجام فقط. هم يعترضون على وجود “حزب الله” في الحكومة ما دام يشارك في القتال في سوريا.
– “حزب الله” يمثل جزءاً كبيراً من المجتمع. ويجب أن نكون قد تعلمنا دروساً من الحرب. ألم يكن الخطأ عام 1975 عزل الكتائب؟ هل يريدون تكرار الخطأ ذاته وعزل فريق أساسي في البلد وإلغاءه؟ ثم لا يعيرن احد احداً. الكل غاطسون في الوحول السورية، وهناك فئات بدأت قبل غيرها بالسياسة والسلاح وكل شيء. يجب ان نكون واقعيين ونقدر خطورة الوضع. لهذا ندعو الى التعاون وفتح القنوات والحوار، ولكن ليس عبر الاعلام الذي يحوله “حوار طرشان”. فجميعنا على الباخرة التي تغرق.
نكرر بإلحاح الدعوة الى ضرورة قيام تحالف المعتدلين في لبنان، لان هناك تطرفاً مجنوناً، وعلينا التنبه الى ما يحصل في الخارج والتحولات، لنواكبها، والا فاننا نضع بلدنا في خطر كبير.
> يحكى اليوم عن حكومة 9 – 9 – 6 من غير الحزبيين. هل توافقون؟
– هذا الامر لا نقرره نحن، ربما على رئيس الجمهورية ان يدعو الى طاولة الحوار، ومن واجب رئيس الحكومة المكلف ان يجتمع مع الكتل النيابية ويزورهم ويقدم رؤيته. عليه ان يدير محركاته، ويستكمل استشاراته. الرئيس ميشال سليمان حريص على الاتيان بحكومة تجمع البلد ولا تفرقه اكثر، وتنال ثقة المجلس النيابي. على الرئيس المكلف ان يشكل حكومة قادرة على اخذ الثقة لكي يخلص البلد.
> لماذا لا يجتمع الرئيسان بري وسلام؟
– لا يمكن الرئيس بري ان يذهب الى الرئيس سلام من الناحية البروتوكولية اولاً. ثم بمجرد ذهابه اليه، سيتهمونه بأنه هو يشكل الحكومة. فبمجرد اقتراحه البحث في تشكيل الحكومة اتهم انه يصادر صلاحيات رئيس الحكومة المكلف. انا لا احسد الرئيس سلام على وضعه.
“هزُلت”
> لماذا يرفض الرئيس بري الكلام على الاستحقاق الرئاسي قبل 25 آذار؟ هل ينتظر شيئا ما؟
– كلا، بل هناك استحقاق ابدي. اذا بدأنا الكلام على الاستحقاق الرئاسي من اليوم، نفقد التركيز على موضوع الحكومة الطارئ والمهم والاساسي. اولا لا يزال لدينا متسع من الوقت يناهز ستة اشهر للرئاسة، والى حينه يخلق الله ما لا تعلمون. وثانيا لا سلطة قرار في لبنان. نحن في وضع خطير. في لقاءاتنا مع سفراء الدول الكبرى يقولون لنا انتم مجانين، لا سلطة قرار لديكم، فمع من نتكلم؟ والمهزلة الاخيرة تمثلت باعتكاف وزراء. هزلت الامور في شكل غير مقبول.
لماذا نضيع البوصلة، ونحيد التركيز عن قضية الحكومة التي هي الاولوية للرئيس بري. التحولات في المنطقة ضخمة، الى حد أن الامور تتغيّر بين اسبوع وآخر. ويجب الا نستهين باتفاق جنيف بين ايران ودول 5+1، ولا بالتوافق الدولي على مكافحة الارهاب.
> الرئيس سليمان كان اول القائلين بأنه يرفض التمديد وسيطعن به. فلماذا حملة من قبل 8 آذار الشعواء عليه تحت هذا العنوان؟
– لا يمكنني التحدث عن الآخرين، ما اعرفه اننا في “كتلة التنمية والتحرير” لم تذكر الرئيس سليمان بكلمة، على النقيض الرئيس بري على اتصال به ولا اي مشكلة في العلاقة بينهما.
> بين التمديد والفراغ، ماذا تختار كتلتكم؟
– مبكر الحديث عن الموضوع الآن. لا اعتقد ان من مصلحة الرئيس سليمان او اي كان فتح هذا الموضوع قبل أوانه. التركيز يجب ان ينصب الآن على تشكيل الحكومة التي يحتاج اليها البلد سريعا.
> هل ستتفق قوى 8 آذار على مرشح واحد للرئاسة؟
– لم يناقش هذا الموضوع بين الكتل حتى اليوم.
> هل تؤيدون ترشيح النائب العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية؟
– هذا قرار تأخذه الكتلة. احترمه واقدره كشخص، وهو حليف، لكن قرار ترشيحه الى رئاسة الجمهورية او عدمه تأخذه الكتل النيابية مجتمعة. ولا نعرف كيف تتطور الامور السياسية. ثم، هو قال انه ليس مرشحا.
> هل يتم الاعداد لـ”دوحة 2″؟
– لا اعرف ماذا يسمونه، ولكن المطلوب دخول وسيط على الخط، يدوّر الزوايا الاقليمية في “الدوحة 1″، كان امير قطر هو الوسيط، وعندما تعقدت الامور اشتعلت اجهزة الهاتف الى طهران، وسافر الامير شخصيا في الليل الى السعودية وقابل الملك عبدالله لحلحلة الامور.
نقوم بجهود كبيرة في الداخل لتبقى القنوات مفتوحة ولا تحصل قطيعة، ويسعى الرئيس بري الى تفادي شرخ كبير، ومن هنا اهمية اجتماعاته والرئيس السنيورة. من ناحية ثانية المنطقة تغلي، ويجب ان ندعو الى الله ليتحقق تفاهم اقليمي لانه يحمي لبنان ويجنبه حدة الصراع الاقليمية.
> من يمكن ان يؤدي دور الوسيط اليوم؟
– الاقليميون يؤدون الدور اذا كلفهم الدوليون. فلنر الجبارين الروسي والاميركي كيف سيخرجان الموضوع. امامنا 4 اسابيع حساسة تفصلنا عن مؤتمر مونترو، لان كل فريق سيحاول تحسين اوراقه على الارض.
نحن حرصاء على استقرار لبنان ومستقبل ابنائه، وان يكون في مأمن من الاخطار. ونرى خطرا كبيرا عليه من الارهاب، ولديه 3 مشاكل مصيرية يواجهها في آن واحد هي: الامن ومحاربة الارهاب، موضوع النازحين الذي يتسبب بتغيير ديموغرافي في البلد، والاقتصاد اللبناني الذي يتلاشى ويتهاوى مثل مريض.
هذه الامور تلزمها جرعة ثقة تتمثل بتشكيل حكومة، والبدء باجراءات حقيقية للمعالجة، تبدأ مثلا بالنفط، وتعطي توقعات ايجابية للمستقبل. لا يمكن ان نبقى مستقيلين من السياسة، تاركين الجيش وحاكم المصرف المركزي رياض سلامة يدبرون حالها، ونحن نتفرج.
الرئيس بري قلق فعلا، ويعرف كيف تعالج الامور. حسه السياسي اخذه الى طهران صبيحة توقيع اتفاق جنيف بين طهران والغرب، لانه كان يتوقع حصوله قبل اسبوعين. وكانت رسالته ضرورة التفاهم الايراني – العربي، اذ لا يكفي التفاهم الايراني – الدولي (…). المطلوب لبنانيا ان نجتهد ونعمل للخروج من هذا المأزق، لان التحديات امامنا كبيرة ومصيرية. الوضع صعب. والله ينجينا في لبنان.