ان مقاربة قوى 8 آذار لعدد من القضايا الاساسية الضرورية لانتظام الحياة السياسية والبرلمانية والوطنية لا تتسّم بالواقعية والعقلانية، ولا حتى بالصدقية الواجب توفّرها لاقناع اكثرية اللبنانيين بها، بعيدا من استغلال عوامل الاثارة والعصبيات المذهبية وابرز دليل على سوء هذه المقاربة، ما تبنيه قوى 8 آذار حول موضوعي تشكيل الحكومة الجديدة وانتخاب رئيس جديد للجمهورية، بما يشير الى امر من اثنين، اما انها تسير حقيقة باتجاه تحقيق فراغ كامل في جميع مؤسسات الدولة لتؤسس على انقاضه لبنان الجديد الذي تكلمت عنه واما انها واقعة في مأزق لا تعرف كيف تخرج منه، ولذلك تراها تخبط خبط عشواء في ما تقول وتعمل، وفي الحالتين، تتسبب بمشكلة كبيرة للدولة والكيان واستمرار العيش الواحد في لبنان.
منذ اكثر من ثمانية اشهر والبلاد تعيش في ظل حكومة تصريف اعمال، وقوى 8 آذار «تعزم» 14 آذار على المشاركة في حكومة «وحدة وطنية» وفي الوقت ذاته تتهمها بأنها شريكة مع الارهابيين والتكفيريين وتؤمن لهم البيئة الحاضنة، وتتآمر مع اسرائيل على المقاومة، وان على قوى 14 آذار ان تكون «ممنونة» وشاكرة لقوى 8 آذار لانها اعطتها مقاعد وزارية اكثر مما تستحق، خصوصا ان جمهور 8 آذار «مش شايف» 14 آذار ولا تعنيه في شيء.
هذا القول يعني بالنسبة للمواطن اللبناني العادي ان 14 آذار عبارة عن شراذم صغيرة متحالفة مع الارهاب والارهابيين والاسرائيليين وانهم قلة في مجلس النواب ولا يستحقون الحقائب الوزارية المعروضة عليهم، وبالتالي على قوى 8 آذار ذات الاكثرية الشعبية «الوطنية» ان تشكّل حكومة اللون الواحد بالتحالف مع الحياديين القابلين بطروحاتهم، مثل كتلة النائب وليد جنبلاط والنواب الذين انفصلوا عن 14 آذار ولا تنتظر هذا الوقت الطويل الذي اوصل الى الفراغ، واذا كان ما تزعمه صحيحا، فان الشعب اللبناني يرفض ان تكون له حكومة يشارك فيها عملاء لاسرائيل وخونة وشركاء مع الارهابيين ولكن اذا كان الكلام غير صحيح، وهو كذلك، فان موقف 8 آذار هو نسف للدولة والنظام والكيان.
اما طريقة معالجة الاستحقاق الرئاسي التي تتبعها قوى 8 اذار، فهي اسوأ من معالجة تشكيل الحكومة، لأنها تعني اهم منصب في الدولة اللبنانية، هو منصب رئاسة الجمهورية المؤتمنة على استقلال لبنان وسيادته ودستوره وقوانينه وحدوده وسلامة اراضيه، والرئيس ميشال سليمان الذي تطوله الاتهامات الباطلة والانتقادات الظالمة، قام بواجبه السياسي على اكمل وجه، خصوصا في السنوات الثلاث الماضية، عندما بدأت الاخطار تحدق بلبنان، فأخذ المواقف التي يفرضها عليه واجبه، للمحافظة على مصلحة لبنان، وليس مصلحة هذا الفريق او ذاك، ولذلك فإن الذين يتنطحون اليوم لفرض تفسيراتهم «الخنفشارية» للدستور على الرئيس سليمان، وهم اخر من يحق لهم ذلك، يجهلون ربما ان سليمان عندما يتكلم عمّا يحق له بموجب الدستور، يستند في ذلك الى حقوقيين ومشرّعين مشهود لهم، وليس تفسيرات «عالهوارة» كالتي تصدر عن بعض النواب والوزراء والاشخاص المدفوعين الذين لا يفقهون شيئا، لا بالدستور ولا بغيره.
منذ سنوات، والرئيس سليمان يؤكد التزامه بنصوص الدستور، ومنها عدم تعديله لمصلحة شخص، ومع ذلك هناك من يصرّ على اتهام سليمان بأنه يعمل في الداخل والخارج على تجديد ولايته، وهؤلاء من المحسوبين على 8 آذار، ولا يسألون من يحرّضهم على سليمان، كيف السبيل الى تجديد او تمديد ولاية سليمان والامر يحتاج الى اصوات ثلثي عدد نواب المجلس، وبالتالي هذه العملية تتطلب انتقال عدد كبير من نواب 8 آذار من ضفة الى اخرى، علما بأن موقف نواب 14 آذار المبدئي هو عدم تعديل الدستور لهذه الغاية، الا ّ اذا كان هدف هؤلاء، محاصرة الرئيس سليمان بالتهديد والوعيد لعدم تشكيل حكومة تكون جديرة بإدارة الفراغ القاتل الذي سوف يحصل اذا لم يتم انتخاب رئيس جديد بعد نهاية ولاية سليمان.