صيغة الحكم في الطائف وتسوية الدوحة
المحامي جورج ابو صعب
من المؤسف حقا ان بعض اللبنانيين لا يزال يتلهى بالسياسة من باب تسجيل المواقف والمناكفة، فيما سفينة الوطن أكثر من اي يوم مضى معرضة للسقوط والغرق بالجميع، خصوصا عشية انتخابات مفصلية سوف يتولد عنا ليس حلول بل ازمات جديدة. فبدل ان نتوافق جميعا ولو لمرة على ما هو خير الجميع للجميع، لا نزال على العكس من ذلك نشاهد حفلات زجل انتخابية تعمق الهوة بين اللبنانيين وتقضي على امال الوحدة والاتفاق على ما هو خير للبنان اولا.
نقول هذا الكلام ونحن نتتبع المواقف والطروحات الصادرة من قوى 8 اذار لا لشيء له علاقة بقناعاتنا بمبادئ وتضحيات وانجازات ثورة الارز، بل لكون قوى 8 اذار اليوم هي الشاذة عن القاعدة وهي مستمرة في شذوذها دون قدرة على المراقبة والمحاسبة. هذا الشذوذ الذي نلمسه من اكثر من موقف وعلى اكثر من صعيد لايمكن ان يستمر الى ما لانهاية خاصة وان اللبنانيين كلهم تقريبا باتوا يدركون حقيقة الافكار والفلسفات الواقفة خلف كل فريق سياسي من 14 الى 8 الى سواهم، افكار وفلسفات تبعد او تقترب من مصالح الوطن العليا بقدر بعدها او اقترابها مما هو فعلا لصالح الوطن اولا قبل ان يكون لصالح الاخرين:
1- بالامس يقف المرشح عن حزب الله نواف الموسوي ليقول بتغيير النظام من خلال نتائج الانتخابات: تغيير النظام كلمة كبيرة … وكبيرة جدا، لان من يطلقها لا يملك وحده مفتاح هذا التغيير اولا وثانيا لان التغيير الذي يطلقه او الذي يسعى الى احداثه لم يثبت الى الان انه الاصلح للبنان ولبقاء لبنان موحدا لجميع ابنائه.
فتغيير النظام كلف لبنان واللبنانيين 15 سنة حربا مدمرة تهاوت في خلالها مبادرات واوراق عمل وصيغ حل للمعضلة اللبنانية بالعشرات، وانتهت الى ما انتهت اليه في الطائف بفاتورة ثقيلة على الجميع (200000) قتيل وخراب البلاد اقتصاديا وتنمويا – فعن تغييراي نظام يتكلمون؟
اذا كان لاقرار الغاء الطائفية السياسية، فمن المؤكد ان حزبا كحزب الله مبني في مكونه الفكري على عقيدة دينية لا يستطيع ان يوحي بالثقة لمن يريد ان يقتنع بصحة المطالبة، فضلا عن التوجه السياسي للحزب على مر مواقفه الداخلية وخطابات السيد حسن نصرالله وسواه من مسؤولين في الحزب لم توحي يوما بتخليه عن فكرة الاكثرية العددية، وبالتالي هل تغيير النظام يكون بالانتقال من طائفية سياسية الى مذهبية عددية؟
ثم ما هي ملامح النظام الجديد الذي يقترحه السيد نواف الموسوي؟
وقد قرأنا بتمعن واسهاب برامج 8 اذار الانتخابية ولم نلحظ فيها هذا النفس التغييري الثوري الموعود، بل جاءت بعض البرامج او المسماة كذلك اقل بكثير من مستوى برنامج انتخابي علمي واضح. فمثلا ما اصطلح على تسميته برنامج التيار الوطني احر الذي اعلنه العماد عون من فندق الحبتور. فكان الديكور يوم اعلان هذا البرنامج ابلغ مما جاء في كلام العماد عون الذي لم يطلق افكارا اصلاحية وتغييرية بقدر ما ركز كلمته على الرد على الخصم، فلم نر اين هو التغيير واين هو الاصلاح واين هو البرنامج .
اما اذا كان المقصود بتغيير النظام دعوة اللبنانيين بعد الانتخابات الى صياغة عقد اجتماعي جديد يجمع حوله الجميع، فحزب الله وحلفائه في 8 اذار لم يتركوا للصلح مكانا ولا للكلمة الطيبة مع فريق 14 اذار متسع من المساحات لاستعادة ثقة مفقودة وصدق في النوايا للتداول به، والحزب حتى الامس القريب مع حلفائه يخون ويتهم ويتوعد ويهدد ( ما رافق اطلاق الضباط الاربعة من مواقف انقلابية على 14 اذار والحكم والحكومة والقضاء ).
2- اما الكلام الباطل الذي يطلق عن اعتماد تسوية الدوحة كاساس لوفاق اللبنانيين الدائم، فكلام حق يراد به باطل. واليوم تحديدا وبعد ان لجأت قوى 8 اذار من خلال وزرائها الممثلين في الحكومة الى استعمال الثلث المعطل لاسقاط سلة تعيينات كان يود فخامة الرئيس ميشال سليمان التصويت عليها لبتها، حيث اظهرت المعارضة من خلال ما حصل في مجلس الوزراء امس امرين اساسيين :
الاول : وجود رغبة حقيقية لدى 8 اذار في تعطيل مسيرة الحكم حتى اليوم الاخير من عمر الحكومة الحالية (حكومة الوحدة الوطنية المنبثقة من تسوية الدوحة)، وبالتالي ان هذا التصرف لا يشجع قوى 14 اذار على الوثوق بنوايا قوى 8 اذار. ففي حين فوضت قوى الاكثرية رئيس الجمهورية ببت التعيينات دون اي قيد او شرط، اذا بقوى المعارضة تعارض ارادة الرئيس وتسقط التعيينات من خلال اللجوء الى الثلث المعطل. وبعد هذا تدعي المعارضة مرة أخرى بانها تقوم بواجب وطني في تعطيل مسيرة الدولة والمؤسسات وتتحدى من يكون اكثر منها حرصا على قيام الدولة القوية ودولة المؤسسات. دليل جديد على صدقية المعارضة نطرحه برسم الجمهور اللبناني الناخب.
الثاني : اسقاطها لما تم الاتفاق عليه في الدوحة من عدم تعطيل اعمال الحكومة او عدم الاعاقة لتلك الاعمال، وبالتالي فمن اقدم بالامس على اسقاط التعيينات باستعمال الثلث المعطل اسقط واقعيا وقانونيا تسوية الدوحة .
وفي هذا السياق لا بد من التوقف عند مغالطة دستورية وقانونية يمعن البعض في قوى المعارضة على اللعب عليها والتهديد المبطن احيانا بها :
ان انتخاب رئيس الجمهورية الحالي العماد ميشال سليمان لم يكن نتاج اتفاق الدوحة، لان الرئيس انتخب وفقا للاليات الدستورية المحددة في اتفاق الطائف الذي اصبح دستور الدولة. اما اختيار الاسم فهو الذي تم التوافق عليه في الدوحة لا بل قبل الدوحة ولكن في حينه كانت تنقصنا الالية الدستورية لتكريس هذا التوافق الامر الذي اتاح اتفاق الدوحة تحديدها – ولكن بمجرد انتخابه وفق للاليات الدستورية والقانونية اصبح انتخابه نهائيا وثابتا عملا باحكام المادة (49) من الدستور. ولم يشر اتفاق الدوحة الى مدة استثنائية لولاية الرئيس سليمان – ما يعني ان مدة الولاية هي نفسها المحددة في المرجع الدستوري اي في المادة (49) وهو المرجع الاعلى والالزامي الوحيد الذي ينظم قواعد واجراءات الحكم وتنظيم السلطات. وبالتالي و ما لم يعدل الدستور لتعديل مدة الولاية مثلا او سوى ذلك تكون ولاية الرئيس سليمان شرعيا وقانونيا ودستوريا ولاية لست سنوات غير قابلة لاي انتقاص. وبالتالي ان يقال بان الغاء اتفاق الدوحة يعني الغاء ما نجم عنه ولا سيما انتخاب الرئيس سليمان ليس بالكلام الصحيح ولا الدقيق ولا الدستوري – لان الانتخاب تم وفقا لقواعد الدستور وقد أكد اتفاق الدوحة نفسه ذلك عندما اشار الى : اتفاق الاطراف على ان يدعو رئيس مجلس النواب البرلمان اللبناني الى الانعقادطبقا للقواعد المتبعة …
وبالتالي من تمسك باتفاق الدوحة لمحاولة سحبه على المرحلة المقبلة بعد الانتخابات ولاقناع قوى الاكثرية بصوابيته، لا يعطي اي مؤشر مطمئن باستخدامه اليوم الثلث المعطل واسقاطه عمليا وقانونيا الاتفاق برمته الذي بني على توازن (لا استقالة ولا تعطيل )، لا بل اسقطه في مجلس الوزراء بنفسه امس من خلال تعطيل التعيينات وبالتالي تعطيل سير الحكومة والحكم .
3- ان المقارنة بين نصي اتفاق الدوحة الذي بات دستور البلاد وبين نص اتفاق الدوحة لا يدع مجالا للشك في طبيعة كلا الوثيقتين القانونية والدستورية : ففي حين تعتبر الاولى صيغة نظام لبنان واساس بناء الدولة – تعتبر الثانية تسوية بكل معنى الكلمة وتسوية مرحلية لانها تنتهي باجراء الانتخابات النيابة التي نحن بصدد الاعداد لها اليوم.
فما يهمنا من اتفاق الدوحة ( ولا ندري بعد الذي حصل في مجلس الوزراء امس 13/5/2009 من اسقاط للتعيينات بالثلث المعطل اذا كان ممكنا بعد الكلام عن الروحية ) هو روحيته اي المعادلة السياسية التي ارساها الاتفاق المذكور : عدم اللجوء الى السلاح او العنف بهدف تحقيق مكاسب سياسية لاي فريق في مقابل الحوار وتطبيق القانون واحترام سيادة الدولة.
ولكن هذه الروحية لا يمكن ان تستمر الا بتوافق اللبنانيين وبالتالي ان اقدام اي فريق على خرقها سيؤدي حتما الى سقوطها ايضا – وبالامس ما قام به وزراء المعارضة – اكد وجهة نظر الاكثرية من انه لا يمكن ولا يجوز الاستمرار في قاعدة الثلث المعطل لان هذه القاعدة لا تبني دولة ولا تبني مؤسسات بل حلبات مصارعة وتصفية حسابات داخل المؤسسات – ما يشل الدولة ويسقط المؤسسات ويضعف الدولة وهيبة القانون والسيادة – وعلى ما يبدو هذا ما تريده المعارضة – لانها لا تزال تمعن في تعطيل التعيينات الاساسية ولا سيما تعيينات المجلس الدستوري كي تبقي لعبة الفصل بالطعون في مجلس النواب كمرجع رديف في حال عدم وجود مجلس دستوري مراهنة منها اما على اكثرية مستقبلية لها في المجلس تفرزها الانتخابات الامر الذي قد يبقي ساحة الفصل بصحة النيابات خاضعا لسلطتها واما لاخضاع الطعون المحتملة في الانتخابات رهن التجاذبات السياسية داخل اروقة المجلس النيابي ومادة مساومات محتملة .