#adsense

ميشال سليمان: رئيس السنة

حجم الخط

لماذا ميشال سليمان رئيس السنة؟ لأنه في مواقفه أعاد إلى الرئاسة معنى كانت افتقدته منذ العام 1989 ومنذ دخل لبنان في عهد الوصاية. لم يخف الرئيس ولم يتردد في تسمية الأمور بأسمائها. منذ استلم الرئاسة قبل خمسة أعوام وسبعة أشهر تبدلت أمور كثيرة وتبددت أحلام كثيرة. لم يعبر لبنان إلى بر الأمان. وكيف يكون مستقرا في محيط متفجر؟ ربما كان هذا رهان ميشال سليمان. ولكن الإستقرار لا يصنعه الرئيس وحده.

 لم نلتق الرئيس سليمان مباشرة. ولكننا كنا نلتقي معه في مواقفه الأخيرة وهو الأمين على الرئاسة والجمهورية. لم نلتق بمن هم حول الرئيس أو بمصادر الرئيس ولكن كنا نحاول أن نستقرئ ما يمكن أن يقوله الرئيس اليوم وهو على قاب قوسين من انتهاء ولايته. فلو قدر له أن يحكي ماذا كان يقول؟

أنا ميشال سليمان. لست فؤاد شهاب ولا الياس سركيس ولا ميشال عون ولا أميل لحود. لكل منا تجربة مختلفة وظروف مختلفة. كان فؤاد شهاب رئيسا للجمهورية في فترة ذهبية من تاريخ لبنان. صحيح أنه أتى إلى الرئاسة بعد ثورة 1958 وبعد رئيس تاريخي من رؤساء الجمهورية في لبنان هو كميل شمعون ولكن ماذا تكون أحداث 1958 قياسا بما حصل منذ العام 1975؟ حتى فؤاد شهاب لم يقبل أن يستمر في الرئاسة بعد ولايته. قال مبررا إنه في ظل الصلاحيات التي يمنحه إياها الدستور لا يستطيع أن يحكم وأن ينقذ لبنان. هل تتصورون؟ كان ذلك في العام 1964.

ذلك العام كنت لا أزال على مقاعد الدراسة. كان الجيش اللبناني حلم كل شاب. كان لا يزال هو القوة الشرعية الوحيدة التي تمسك بأمن لبنان ولكن كانت بدأت الثورة الفلسطينية تتحرك. في العام 1967 سنة الهزيمة العربية أمام العدو الإسرائيلي لم أتردد في تحقيق الحلم الذي راودني بالدخول إلى المدرسة الحربية إيمانا مني بأني من خلال هذه المهمة التي أردت أن أنذر نفسي لها إنما أخدم وطني لبنان. كان عمري 18 عاما عندما غادرت بيتنا في عمشيت وودعت أهلي ودخلت إلى المدرسة الحربية وبدأت مسيرتي العسكرية. كنت أعرف أن هذا الطريق طويل وصعب وشاق وأن مهمات كثيرة تنتظرني وأن الدخول إلى الجيش الذي كنا نؤمن به ويرسم لنا أحلام البطولة والمجد كان مثل الرهبنة التي لاخروج منها. فهو الالتزام قبل كل شيء. التزام بلبنان والتزام بطريقة حياة وبهدف واحد في الحياة.

لم تكن الحياة السياسية تعنينا كثيرا. أذكر جيدا أننا في العام 1970 بعد أيام على تخرجنا من المدرسة الحربية ضباطا حصل إطلاق نار في لبنان ابتهاجا بانتخاب الرئيس سليمان فرنجية رئيسا للجمهورية. قالوا وقتها إنه الرئيس القوي. لم نكن ندرك في تلك المرحلة خلفيات ما حصل. لم نع خطورة اتفاق القاهرة الذي وضع لبنان على خريطة الإهتزاز والتخلي عن جزء من سيادة الدولة. لم نكن ندرك أن التخلي عن هذا الجزء سيشكل خطورة على كل الدولة. إما أن تكون السيادة كاملة  أو لا تكون. كان ذلك في الماضي ويبقى اليوم. السيادة لا تتبدل ولا تتغير.

 بعد ثلاثة أعوام فقط وجدنا أنفسنا في الطريق إلى فقدان أكبر للسيادة عندما حصلت أول مواجهة عسكرية مع المسلحين الفلسطينيين في شوارع بيروت وصيدا. منذ ذلك التاريخ بدأنا نشعر أننا في قلب العاصفة وأننا فقدنا شيئا من القرار. لم تكن تلك إلا البداية. فالعاصفة الحقيقية هبت في العام 1975 وكان الجيش في قلب العاصفة وسرعان ما بدأت المعركة عليه. لقد عز علينا كثيرا مشهد انقسامه. لقد فرضت علينا الحرب معارك كثيرة . أكثر من مرة انقسم الجيش وأكثر من مرة عاد يتوحد. التجربة علمتنا أن بقاء لبنان يفترض أن يكون الجيش اللبناني وحده صاحب السيادة المطلقة على أرضه لا يقاسمه إياها أحد مهما اختلفت التسميات ومهما اشتدت الإنقسامات.

لقد علمتني هذه التجارب كثيرا. خصوصا تجربة الإنقسام الكبير في العام 1989 عندما اضطر الجيش في ظل الحكومة العسكرية بقيادة العماد ميشال عون أن يخوض حربا غير متكافئة انتهت باجتياح الجيش السوري وزارة الدفاع والقصر الجمهوري. لم يحصل ذلك من قبل ولا يجب أن يحصل لاحقا.

على رغم ذلك لم أفقد الأمل بخلاص لبنان. في مثل هذه الأيام في 21 كانون الأول 1998 أصبحت قائدا للجيش. كانت تلك مسؤولية كبرى. عندما دخلت إلى المدرسة الحربية لم أتصور أبدا أنني سأصبح في يوم من الأيام هذا القائد. كنت أحلم بأن أكون؟ وهل يمكن ألا يحلم أي ضابط بالقيادة؟ ولكن الحلم شيء والواقع شيئا آخر. لقد قيل كلام كثير حول هذا الموضوع وحول الطريقة التي صار فيها ميشال سليمان قائدا للجيش بعدما انتخب قائد الجيش الذي سبقه أميل لحود رئيسا للجمهورية. ولكن الفرق كبير بين المسألتين: مسألة كيف تصبح القائد ومسألة كيف تمارس القيادة. أعرف أن كثيرين يفتحون مثل هذه النوافذ لأنهم مستاؤون من مواقفي اليوم. لو كنت غير ما أنا هل كانوا يتكلمون؟

ثمانية أعوام أمضيتها في القيادة. هل تعتقدون أنني كنت أصلي كي يبقى الجيش السوري في لبنان أو كي يبقى النظام السوري هو الذي يقرر ماذا يجب أن يحصل في لبنان؟ لم تكن لدي أحلام كبيرة بأنني كنت قادرا على قلب المقاييس ولكنني لا أخفي أنني كنت انتظر دائما أن تتغير الظروف والمعطيات. لم أكن أتوقع أصلا أن أبقى كل هذا الوقت في القيادة ولكنني بقيت. وكان لدي إيمان عميق بأن ساعة قيامة لبنان لا بد أن تأتي في لحظة ما. هل كانت 14 آذار 2005 تلك اللحظة؟ لا شك في أنها كانت البداية.

في 26 نيسان 2005 تصورت أننا بدأنا نسلك الطريق إلى هذه السيادة الكاملة. لم يسبق أن واجهنا مثل هذا الأمر. منذ العام 1976 كان الجيش السوري في لبنان. لقد ساد شبه اعتقاد بأن هذا الأمر صار طبيعيا وجزءا من مكونات حياتنا الوطنية. تصوروا. لقد كان البعض يراهن على أننا في الجيش سنقف ضد الشارع وأننا سنقطع الطرقات وسنمنع الإعتصامات وسنحمي النظام القائم ونمنعه من السقوط. ولكن منذ تلك اللحظات صار النظام في مكان آخر. لقد تركنا الأمور تجري . لا يستطيع أي جيش في العلم أن يتنصر على حركة الشعب. كنت أعرف أن طريق استعادة سيادة لبنان وسلطة الجيش اللبناني على كامل الأراضي اللبنانية تبدأ من هناك من تلك الساحة التي تختصر تاريخ لبنان منذ علقت فيها مشانق 1915 و1916. لقد نصب جمال باشا تلك المشانق وبعد عامين كان يغادر لبنان مهزوما.

لقد رحل الجيش التركي عن لبنان في العام 1918 ثم رحل الجيش الفرنسي في العام 1946 وجيش الإحتلال الإسرائيلي في العام 2000 والجيش السوري في العام 2005 ووحده بقي الجيش اللبناني. ووحده يجب أن يبقى.

هل تعتقدون أنني في قيادة الجيش تحررت من عبء المرحلة السابقة؟ هل كان يمكن أن نزيل تراكمات ثلاثين عاما بثلاثين يوما؟ لقد ألقت علي المرحلة الجديدة مسؤولية أكبر. كنت أعلم أن السيادة تؤخذ ولا تعطى وأن طريق استعادتها طويل وشاق. وأنني يجب أن أسير على هذا الطريق مهما كان صعبا. كنت أعرف أيضا أننا في مرحلة انتقالية وأن الصراع الداخلي فيها سيكون متصاعدا وأن السيادة لا تأتي فقط من التحرر من السيطرة الخارجية بل من اقتناع اللبنانيين بكل أطيافهم بأهمية أن يكونوا تحت سقف الدولة وأن لا يسعوا إلى السيطرة عليها من الداخل.

في كل هذه المرحلة لم أكن مع طرف ضد طرف بل كنت مع لبنان. وكل طرف كان يصنفني معه أو ضده بقدر ما كان هو مع لبنان أو ضد لبنان.

 لم تكن حرب تموز في العام 2006 حربنا. كنا نعرف أن العدو وراء الحدود الجنوبية ولكن هل كنا نعلم بما سيحصل في 12 تموز ثم في 14 تموز؟ لقد وجدنا أنفسنا في قلب المعركة من دون أن نكون في قلب القرار. من دون أن نكون مستعدين أو مجهزين شاركنا في الحرب. تعرضت مواقعنا للقصف والتدمير. وسقط في صفوف الجيش عدد كبير من الشهداء والجرحى. وتدمرت البنى التحتية. تهجر الناس. كل اللبنانيين اشتركوا في المقاومة. ولكن ماذا حصل بعد ذلك؟ انتهت حرب تموز بالقرار 1701 الذي ينص على استعادة سيادة الدولة اللبنانية كاملة تنفيذا للقرار 1559، وعلى زيادة عديد القوات الدولية في الجنوب وعلى انتشار الجيش اللبناني هنك أيضا. منذ العام 1975 لم يحصل مثل هذا الإنتشار. كانت تلك مسؤولية كبيرة يجب أن نتحملها من دون أن نكون استعدينا لها ومع ذلك ذهبنا إلى الجنوب.

ولكن هل تعلمنا من التجربة؟ لا أعتقد. الإنتصار على العدو الإسرائيلي لا يجب أن ينتقل إلى انتصار على الآخر في الداخل. من ينتصر على من؟ لقد حمينا العملية الديمقراطية في انتخابات العام 2005 التي نشأت عنها أكثرية سياسية. كان يجب أن تكون هذه التجربة هي الطريق إلى استعادة الديمقراطية الكاملة والمؤسسات وتداول السلطة. تأتي حكومة وتذهب وتأتي حكومة غيرها. تنتهي ولاية رئيس فينتخب رئيس غيره. تنتهي ولاية مجلس النواب فنذهب إلى انتخابات نيابية جديدة. ولكن الصراع كان أقوى. حصل الإنقسام ووقعت المواجهة وانتقلت من مجلس الوزراء برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة إلى الشارع في 7 أيار. كنا نعرف أن ما يحصل خطأ كبيرولكن ماذا كان يمكن أن نفعل؟ تصوروا لو دخل الجيش في المواجهة؟ كانت انهارت الدولة.

ذهبوا إلى الدوحة. وحصل الإتفاق على مرحلة انتقالية جديدة. رئاسة جمهورية وحكومة وحدة وطنية وانتخابات في العام 2009 ومن يحصل على الأكثرية يشكل حكومة. كانت هناك خريطة طريق. عادوا إلى لبنان وبدأ تنفيذ الخريطة وانتخبت رئيسا للجمهورية في 25 ايار 2008.

كانت الأمور واضحة . كنت أعرف مدى الصعوبات التي تنتظرني. إذا كان فؤاد شهاب رفض الرئاسة في العام 1964 لأنه اعتبر أن الصلاحيات التي مع الرئيس لا تسمح له بإنقاذ لبنان الذي كان يراه ذاهبا إلى الإنفجار فهل كانت لدي أحلام بصناعة المعجزات في ظل هذه الظروف التي كنا نمر بها؟ كان عندي خطط ولكن لم تكن لدي أوهام.

في خطاب القسم دعوت الجميع لنبدأ مرحلة جديدة عنوانها لبنان نلتزم فيها مشروعا وطنيا نلتقي عليه. وقلت “إن الخلاف السياسي، وما نتج منه من إشكاليات دستورية مررنا بها، ينبغي أن يشكل حافزاً لنا، ليس فقط لإيجاد المخارج، لما يمكن أن نقع فيه مستقبلاً، وإنما أيضاً لتحقيق التوازن المطلوب، في ما بين الصلاحيات، والمسؤوليات، يمكّن المؤسسات، بما فيها رئاسة الجمهورية من تأدية الدور المنوط بها”.

وكنت أعرف أن المشكلة الكبرى تكمن في مكان آخر أشرت إليه من البداية عندما قلت: إن نشوء المقاومة، كان حاجة في ظل تفكك الدولة، واستمرارها كان في التفاف الشعب حولها، وفي احتضان الدولة كياناً وجيشاً لها، ونجاحها في إخراج المحتل، يعود إلى بسالة رجالها، وعظمة شهدائها، إلا أن بقاء مزارع شبعا تحت الاحتلال، ومواصلة العدو الاسرائيلي لتهديداته وخروقاته للسيادة، يحتم علينا إستراتيجية دفاعية تحمي الوطن، متلازماً مع حوار هادئ، للاستفادة من طاقات المقاومة، خدمة لهذه الإستراتيجية. فلا تُستهلك انجازاتها في صراعات داخلية، ونحفظ بالتالي قيمها وموقعها الوطني. يتزامن هذا اليوم، مع الذكرى الوطنية، للتحرير والنصر، فلتكن حافزاً لنا، لمزيد من الوعي لما يتربص بنا، ولتجديد تمسكنا بالحرية والديمقراطية، التي ضحينا من اجلهما لنصون الوطن. “

اليوم بعد ستة أعوام من ولايتي لا يمكنني أن أقول أنني حققت ما كنت أصبو إليه ولكنني أعطيت للرئاسة ما كانت تفتقده. عندما انتخبت هل كان أحد يتوقع أن تندلع الحرب في سوريا وأن يذهب حزب الله للقتال هناك. من البداية لم أخدع حزب الله. ما قلته في خطاب القسم سعيت إلى تحقيقه وصولا إلى استراتيجية دفاع تحمي الدولة. من دون هذه الإستراتيجة لا يمكن أن تقوم دولة. لماذا يلومونني عندما أطالب بألا تحصل تعديات من داخل سوريا على لبنان وعندما أطالب حزب الله بألا يرسل المقاتلين إلى سوريا؟ ألست مسؤولا عن كل اللبنانيين؟ هل هؤلاء الذين يتم إرسالهم للقتال هناك ليسوا لبنانيين؟ أليست الدولة اللبنانية مسؤولة عنهم؟ منذ البداية قلت أيضا أننا ضد الإرهابين ومحاولة نقل تجربتهم إلى لبنان. هل يمكن أن يزايد علي أحد في هذا المجال؟ عندما حصلت مواجهات الضنية في العام 2000 كنت أنا قائد الجيش. وعندما حصلت حرب نهر البارد كنت أنا قائد الجيش. وأنا اليوم رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة. فهل يمكن أن أتنازل عن السيادة اللبنانية وعن أن يكون الجيش اللبناني هو القوة الشرعية الوحيدة التي تمسك بالقرار العسكري في ظل القيادة السياسية التي تصنعها الإنتخابات وفي ظل تداول السلطة؟ هل نريد أن نبني وطنا أم أوطانا صغيرة داخل الوطن الكبير؟ لا أحد أكبر من الوطن.

خلال كل ولايتي راعيت التحولات الداخلية. ونقف اليوم في مواجهة استحقاق كبير. بعد خمسة أشهر يجب أن أسلم السلطة وأريد أن يكون ضميري مرتاحا. أعرف أنني لا أسلم وطنا من دون أزمات وأنني لم أستطع أن أحقق ما ورد في خطاب القسم. ولكن المسؤولية يجب أن يتحملها الجميع. أعرف أن المسؤولية الكبرى تقع علي وأعرف أنني في الوقت المناسب لن أتردد في اتخاذ القرار المناسب. قرار يكون تحت سقف السيادة الكالملة للدولة والجيش اللبناني.

يحكى عن رئيس ضعيف ورئيس قوي. على الرئيس قبل كل شيء أن يكون حكيما. قوة الإستراتيجية أهم من استراتيجية القوة. عندما انتخب سليمان فرنجية قيل أنه رئيس قوي ولكن كيف انتهى عهده؟ بالحرب. وعندما انتخب الياس سركيس قيل إنه رئيس ضعيف. ولكن كيف انتهى عهده؟ بانتخاب بشير الجميل. وقيل إن الرئيس أمين الجميل رئيس قوي. ولكن كيف انتهى عهده؟ بحكومة العماد ميشال عون. وقيل إن عون قوي.  ولكن كيف انتهى عهده؟ باجتياح وزارة الدفاع والقصر الجمهوري.

لقد قلت في خطاب القسم: ينتظرنا الكثير الكثير، فقسمي التزام علي” ودعوت إلى مصالحة وطنية راسخة. اليوم نحن أحوج ما نكون إلى هذه المصالحة. مصالحة يكون فيها لبنان هو حامي الجميع ونكون فيها كلنا في خدمته.

مهما يكن لن أسلم السلطة إلى الفراغ. في نهاية المطاف أنا ميشال سليمان لن أسمح للتاريخ أن يقول عني أنني كنت آخر رئيس للجمهورية في لبنان.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

One response to “ميشال سليمان: رئيس السنة”

خبر عاجل