خطابُه ليس خطاب انتصار ولا خطاب سعي الى انتصار.. وهو عنوان مواجهة لتطوّر إستراتيجي خارجي آتٍ
نصرالله والتوتّر "المفهوم" من خسارة انتخابية.. وبأجندة ايرانية
يستحيلُ على أي عاقل أن يصدّق أن الخطاب الأخير للأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله مساء الجمعة الماضي، هو بين أن يكون "خطاب الانتصار" في الانتخابات أو "خطاب السعي الى الانتصار" في تلك الانتخابات.
خطابُ "التنفير".. والاستنفار المضادّ
فلو كان نصرالله واثقاً من تحقيق إنتصار إنتخابي في 7 حزيران المقبل لما خاطب الناس بهذا المنسوب العالي من التوتّر بل لكان تقدّم بخطاب "تجميعيّ" كما يفعل المنتصرون الديموقراطيون، ولما ذكّر اللبنانيين بممارسات قبيحة لم "يشفوا" منها بعد. ولو كان نصرالله ساعياً الى تحقيق إنتصار إنتخابي في 7 حزيران المقبل، لما بذل كل جهد ممكن لـ"تنفير" مختلف البيئات السياسية والطائفية والمناطقية من حزب لا يفعل عند المحطات سوى أن يذكّر اللبنانيين بـ"القوة المادية" التي يمتلكها وبقدرته على "تنغيص" عيشهم وبعدم رغبته في استخدام العقل واللغة الطيّبة بل بتصميمه على "الاستكبار" وعلى إبراز قلّة معرفته ـ ثقافياً وسياسياً ـ بالكيان اللبناني والتجارب التي مرّ بها عبر تاريخه.
والحال أن "الخطاب المنفّر" لنصرالله قد أساء الى حليفه الجنرال ميشال عون في بيئته، إذ تغافل الأمين العام لـ"حزب الله" عن رهانه هو نفسه على تحقيق غالبية نيابية لفريق 8 آذار في الدوائر المسيحية على "رافعة الجنرال". أي أن خطاب نصرالله أدى الى "استنفار مسيحي" ليس فقط في وجه "حزب الله" بل في وجه "الجناح المسيحي" لـ8 آذار. والأمر نفسه حصل في البيئة الإسلامية السنية، إذ دفع خطاب نصرالله الى إستنفار أقصى ضد التحدّي والاستفزاز.. وضد ذكريات 7 أيار 2008.
ثلاث فرضيات أبرزها "تطيير" الانتخابات
لا يمكن إذاً أن يكون خطاب نصرالله خطاب إنتصار محقّق ولا خطاب سعي الى الإنتصار، لأنه وفقاً للمعاني المشار إليها آنفاً خطابٌ فاشل إذ يقدّم خدمة بل خدمات الى خصومه السياسيين. ولا تفسير ـ في الإطار المحليّ اللبناني ـ لهذا الخطاب المتوتّر الفاشل، إلاّ بثلاث فرضيّات أساسية.
الفرضية الأولى، هي أن السيد نصرالله متيقّن من أن فريق 8 آذار لن يحقّق الغالبية النيابية عبر صناديق الاقتراع في 7 حزيران، ويعتبر ـ تالياً ـ أن خطاباً من هنا وخطاباً من هناك لا يغيّران في النتيجة شيئاً.
والفرضية الثانية، هي أن نصرالله بخطابه المتوتّر وما انطوى عليه من تهديدات صريحة، "يحاول" في أحد اتجاهين. الأول هو التخويف بما يضغط على مشاركة اللبنانيين في العملية الانتخابية أي بما يقلّص المشاركة الى أقصى حد ممكن. والثاني هو وضع المسار الديموقراطي ـ والعملية الانتخابية من ضمنه ـ في دائرة أخطار أمنية بما يؤدي الى تطيير الانتخابات.
والفرضية الثالثة، هي أن نصرالله يحاول قبل يوم 7 حزيران أن يُملي شروطه على مرحلة ما بعد 7 حزيران. أي أنه يقايض "سماحه" بحصول الانتخابات بـ"رضوخ" فريق 14 آذار ومجمل المجتمع السياسي لشروطه المسبقة حول تشكّل السلطة ومضمون توجّهاتها، بما في ذلك التوجهات التي لا أصل لها لا في الميثاق ولا في الدستور ولا في مقررات الإجماع الوطني.
"القوة" ضد العقل.. والديموقراطية
والمعنى هنا أن "حزب الله" من خارج العملية الإنتخابية الديموقراطية، إنما "يزخّم" مشروعه الانقلابي القائم منذ سنوات بالتهديد باستخدام القوة ـ بل فائض القوة ـ مجدداً،ً بديلاً من أي مسار ديموقراطي، طالما أن فوز المشروع الإنقلابي بالديموقراطية بمثابة إستحالة.. والهدف هو فرض شروط سياسية ـ وطنية معيّنة.
بيدَ أن متابعين جادين يعربون عن اعتقادهم أن لتوتّر "حزب الله" علاقةً بعدد من الوقائع الإقليمية والدولية المتحرّكة، تشكّل ـ أي تلك الوقائع ـ "الأساس" في التوتّر.
مبادرةٌ أميركية جديدة
يقوم الرئيس الأميركي باراك أوباما بزيارة الى مصر في الرابع من حزيران المقبل. وأثناء هذه الزيارة سوف يطلق أوباما مبادرة جديدة لـ"السلام في الشرق الأوسط" على قاعدة "حل الدولتين". وتتضمن المبادرة دعوة الى انعقاد مؤتمر دولي موسع للسلام، ولا تشمل الدعوة إيران على أساس تصنيف دولي وعربي لإيران بأنها "ضد السلام".
إيران المعزولة.. ودمشق المنخرطة
سيُطلق أوباما المبادرة الجديدة تزامناً مع ما ذكر عن "فرصة" معطاة لطهران حتى شهر تشرين الأول المقبل كي تتعاطى ايجاباً مع الحوار المعروض عليها أميركياً ودولياً من ناحية ومع القرارات الدولية المتعلقة ببرنامجها النووي من ناحية أخرى. وسيطلقُ أوباما مبادرته في وقت تفيد المعلومات الصحافية أن الإدارة الأميركية تمارس ضغوطاً على إسرائيل لمنعها من القيام بأي عمل عسكري ضد إيران في الوقت الحاضر. وذلك كله ما يعني أن ثمة أولوية أميركية ـ دولية راهنة لـ"مؤتمر سلام" جديد لا مكان فيه لإيران، "مؤتمر سلام" يؤكد الشراكة بين "النظام العربي" و"المجتمع الدولي". وقد لوحظ في الآونة الأخيرة تحرك لافت للأردن في هذ المجال. من مؤتمر وزراء خارجية ست دول عربية في عمان تولى صياغة موقف عربي موحد قام الملك الأردني عبدالله الثاني بنقله الى أوباما نهاية الشهر الماضي، ثم زيارة للعاهل الأردني الى دمشق حيث أبلغ رئيس النظام السوري موقفاً، وتلت الزيارة أخرى قام بها الرئيس الفلسطيني محمود عباس الى العاصمة السورية من جهة ولقاءات سورية مع قادة الفصائل المعارضة لـ"السلام" من جهة ثانية.
يرى المتابعون الجادون أن ثمة تطوراً إقليمياً دولياً في 4 حزيران يضع إيران في "الزاوية". ويرون أن هذا التطور ذو طبيعة إستراتيجية وأن دمشق أعطت مؤشرات معينة الى إستعدادها لـ"الإلتحاق" به. وفي هذا السياق، يصبح توتر "حزب الله" في لبنان على صلة بـ"إنزعاج" إيران من هذا التطور، وعلى صلة بـ"إحتمال" إنخراط سوري فيه. وثمة من يلفت، من بين المتابعين الجادين، الى "أمر عمليات" إيراني لتعطيل الحوار الفلسطيني ـ الفلسطيني من ناحية وللتصعيد في لبنان من ناحية أخرى.
.. أم تقاطع سوري ـ إيراني مجدداً؟
وإذا كان التطور المشار إليه آنفاً يفيد أن ثمة "نقزة" إيرانية من سوريا، فإن متابعين آخرين يلفتون الى أمر مغاير.
فقبل أيام قليلة، نقلت وسائل الإعلام عن مصادر فرنسية رسمية ان دمشق التي اتخذت منذ أيار 2008 قرارات ايجابية وبناءة تعاوناً مع الغرب "توقفت منذ كانون الثاني الماضي عن التجاوب مع الأسرة الدولية والتعاون معها". أي أن المتابعين الآخرين يلفتون في هذا المجال الى عدد من الإحتمالات: إما أن "المصادر الفرنسية" تعبّر عن مواقف مبدئية ولا تعلم تماماً أين أصبحت التعهدات السورية بعد أن صار التفاوض السوري ـ الأميركي مباشراً. وإما أن النظام السوري "يوزع" إشارات متناقضة، ايجاباً هنا وسلباً هناك، في لبنان مثلاً. وإما أن ثمة إتفاقاً بين دمشق وطهران على إستبقاء لبنان "مجالاً مشتركاً". أي ان توتر "حزب الله" إما أنه على تقاطع "نقزة" إيرانية ما من سوريا حيال تطور كبير تحضر له الإدارة الأميركية، أو أنه على تقاطع إيراني ـ سوري. وفي الحالتين فإن التوتر هو في لبنان، و"تصريفه" يحصل في لبنان.
وعلى أي حال، وحتى لو كان لتوتر "حزب الله" علاقة بمعطيات خارجية "متحركة"، فإنه ـ أي التوتر ـ يتضاعف مع "ملاحظة" الحزب إستحالة مطابقة الوضع اللبناني الداخلي مع "المستلزمات" التي يراها ضروريةً إقليمياً.