قراءة في خطاب السيد نصرالله
مرة أخرى يسرق السيد حسن نصرالله الأضواء والاهتمام في خطابه المتعدد الطلقات والرسائل ومرة جديدة ينجح السيد حسن في تأكيد قسمة اللبنانيين بين فريق يتآمر على المقاومة وعلى سلاحها، وفريق يتبنّى المقاومة ويؤمن بسلاحها واستمرارها حتى ازالة اسرائيل من الوجود، لأن المعادلة الموضوعية تفرض بأن خطر اسرائيل على لبنان مرتبط ببقاء اسرائيل، ولذلك فان المقاومة باقية ما دامت اسرائيل موجودة، وبالتالي فان الفريق اللبناني الذي يقدّم استقرار لبنان وسلامته، واعادة الحياة الى اقتصاده ومؤسساته، ويحرص على طمأنة الشعب الى حاضره ومستقبله، ويجهد في تهيئة الظروف الملائمة لاعادة أبنائه الى الوطن، ليعيشوا ويستثمروا بأمان وراحة بال، هو فريق متخاذل، جبان، يفضّل حياة الذل، على حياة المواجهة، ويجب تأديبه ومعاقبته على غرار ما حدث في 7 أيار من العام 2008، واذا لم يتعلم ويرعوِ فان هذا الفريق سوف يترحّم على احداث 7 أيار «المجيد»، حسب ما وعده بذلك الوزير السابق وئام وهاب، وهذا الوعد يعني بكل بساطة أن «أمجاد» 7 ايار سوف تعمّم على كل المناطق والطوائف والاحزاب التي لا ترى رأي حزب الله، ومن الطبيعي ان الذراع العسكرية المؤدّبة، ستكون ذراع المقاومة الاسلامية.
اللافت في ردود الفعل على خطاب امين عام حزب الله ان شخصيات سنيّة ومسيحية قريبة من حزب الله، رفضت السقف العالي الذي ميّز خطاب السيد حسن، كما رفضت اعتبار يوم السابع من ايار يوماً مجيداً، اضافة الى أن حلفاء لحزب الله ومتعاطفين معه فضلوا الاعتصام بالصمت حيال مضمون الخطاب، وحدهم قيادات التيار الوطني الحر واجهزة اعلامهم «بصموا بالعشرة» على خطاب السيّد، كعادتهم في البصم والترداد الببغائي لكل ما يصدر من مواقف عن حزب الله، عرفاناً بالجميل للدعم الذي يقدمه الحزب لحليفه التيار الوطني الحر.
***** اما اذا انتقلنا من الشكل الى المضمون، فالواضح ان السيد حسن، قياساً على نبرته العالية، التي اتت مغايرة تماماً للهجة الهادئة جداً التي قارب بها موضوع شبكة حزب الله في مصر، وللمواضيع الحسّاسة التي اثارها، كمثل الفدرالية، والمثالثة، واحداث السابع من أيار، والقضاء، وشبكات التجسس، والاشارة الى الصراع الشيعي ـ السنّي، انما هو يختزن قلقاً واضحاً مما قد تحمله الأيام المقبلة، اقليمياً ودولياً ومحلياً، ومدى انعكاسه على حزب الله والمقاومة.
ولهذا كان خطابه عالي النبرة والحدّة، ومتعدد الطلقات والرسائل كما اسلفنا، وهو في هذا المجال قد حدد موقف حزب الله والمقاومة منذ اليوم، تجاه ما سوف تحمله الايام المقبلة، ا ن كان على صعيد نتائج الانتخابات النيابية المقبلة، او على صعيد التحرك العربي المكثف المدعوم اميركياً واوروبياً، لايجاد ارضية صالحة وقابلة للحياة، لأي حل او تسوية للنزاع العربي ـ الاسرائيلي، وللملف النووي الايراني، وقد يكون ، من باب التحليل طبعاً، ان السيد نصرالله، عندما اشار تحديداً الى قدرة حزب الله على حكم بلد اكبر مائة مرة من لبنان، كان يعرف ضمناً انه لا يستطيع ان يحكم لبنان وحيداً، او مع حلفائه، ان هو بقي متمسكاً بسلاحه وبعلاقته العقائدية السياسية مع النظام الايراني، وربما ما قاله في هذا الشأن، قد يكون اعلان نيّات من حزب الله لتطليق العمل المقاوم والانخراط في الحياة السياسية اللبنانية على قاعدة وجود اكثرية تحكم واقلية تعارض، وسوف يكون الحزب في واحدة من هذه او تلك حتى تفتح له ابواب الحكم.
اما بخلاف ذلك فان مشروع لبنان الوطن والكيان سوف ينهار حتماً اذا تسلم حزب الله الحكم لانه سوف يكون محاصراً سياسياً واقتصادياً ومالياً حتى ولو تعاملت معه ايران على انه ولاية من ولايات دولة ولي الفقيه، وتجربة السنوات الثلاث الاخيرة من عهد اميل لحود خير شاهد على ما يمكن للمقاطعة العربية والدولية، ان تؤدي لبنان وتغيّبه، خصوصاً ان رئيس البلاد العماد ميشال سليمان لن يقبل وهو في سدّة الرئاسة أن يتحوّل لبنان الى دولة تعادي تقريباً جميع الدول العربية ومعظم دول العالم المؤثرة.
اما موضوع الفدرالية الذي أثاره مجدداً السيد حسن نصرالله، بعدما كانت الأكثرية الساحقة من اللبنانيين، والمسيحيون في مقدمتهم، قد وضعوا هذا الامر خلفهم، وركّزوا خطابهم واستراتيجيتهم وعيشهم المشترك، على المطالبة بالدولة الواحدة القوية العادلة، وبالجيش الواحد، والرئيس الواحد، والحكومة الواحدة، مع التصميم على تحقيق اللامركزية الادارية الموسعة، طلباً للانماء المتوازن، فجاء السيد حسن في خطابه، وكأنه يوقظهم من غفلتهم، ويدلّهم على طريق المستقبل الصحيح، بما حمله من تهديد وتخويف ومصارحة صادقة، بأن حزب الله هو الاقوى والاقدر والاغنى والاشدّ بأساً وانهم هم الغالبون، فعاد هاجس الفدرالية يرعى في عقول وافكار وطروحات فريق عريض جداً من اللبنانيين الذين سئموا هذا النوع من العيش الذي يدعوهم اليه حزب الله ويوافقه عليه التيار الوطني الحر، فهل هذه النتيجة هي التي كان يريدها السيد نصرالله في ما ذهب اليه.
في هذا المجال، لفتني كلام للوزير السابق ميشال اده في حفل تكريمي لمناسبة ميلاد البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير قال فيه «الحرية عند الموارنة في مقدم ثوابت الطائفة المارونية.
» واردف «.
ولكن لبنان التنوّع والتعدد والعيش المشترك، يتهدد بالزوال بفعل التبدلات والاختلالات الديموغرافية».
وقد تذكرت هذا الكلام عندما سمعت النائب وليد جنبلاط، وهو الخائف على طائفته التي تواجه ما تواجهه الطائفة المسيحية، يصف كلام السيد حسن نصرالله بانه «زلة لسان» ودعا انصاره والدروز الى «الصبر» وقديماً قيل «الصبر مفتاح الفرج» وإن الله مع الصابرين.