أَياً يكن الفائزون…
على رغم مظاهر التصعيد في النبرات والكلمات، وحتى "التهجّمات" في اتجاه الرئيس ميشال سليمان، فإن المناخ السياسي الانتخابي "الحربجي" لا يزال ضمن نطاق المألوف انتخابياً، وضمن التقاليد الانتخابيَّة، وضمن "منهج" المنافسة التي عرفها لبنان وعاشها اللبنانيوّن في انتخابات مشهودة.
وإن يكن قبل الحروب وقبل الوصاية.
فالمخضرمون لا يزالون يضعون أيديهم في مياه باردة، ويصارحون الخائفين المذعورين من عودة التهويل والبهورة بأنها ليست أكثر من فوشة انتخابات، أو فوشة كبد.
صحيح ان الناس ما عادوا يحتملون ولا يتقبَّلون ولا يستسيغون هذا النوع من الخطابات والتصريحات والغطرسات والعنتريّات، وباتوا يقفلون التلفزيونات والراديوات حينما يعتلي أحد العناتر منبر الخطابة.
وصحيح ان العودة الى "هجمة بيروت" و"التمجيد" الذي أُسبغ على ذلك اليوم، قوبلا بالامتعاض والاستنكار في أوساط كثيرة، إلا انهما يمكن تصنيفهما ضمن"عدَّة" الانتخابات ووسائل حشد المشاعر، وما الى ذلك.
إنما في مختلف الأحوال والظروف، على اللبنانييّن ألا ينسوا ان ما من انتخابات نيابيَّة مرَّت على لبنان بلا هيصة، وضجيج، وصنوج، وطبول حرب، ومواجهات بشتى الوسائل وفي معظم المناطق، بصورة عامة وخاصة.
تطرقنا الى هذه الناحية مع بدايات الموسم الانتخابي، ونبّهنا الناس الى ان هذه الانتخابات ستكون حامية الوطيس لألف سبب وسبب… أبسطها انها ستكون مفترقاً او منعطفاً كبيراً وأساسياً بالنسبة الى الوضع اللبناني برمته.
كما ستكون قبل كل شيء جسراً ديموقراطياً يمكٍّن الدولة من العبور الى مؤسساتها وصلاحياتها، واسترجاع مكانها ومكانتها ومكان لبنان تحت الشمس وعلى خريطة العالم.
وليس هذا فحسب، بل ستشكل المبرّرات الدستورية والشرعية لتفكيك سلسلة الدويلات المنتشرة في مختلف أرجاء الجمهورية، وعلى حساب الدولة والمواطنين والنظام والقوانين.
الرئيس صائب سلام قال بعد ثورة صيف 1958: لبنان واحد لا لبنانان. وقد تحققَّ له وللبنان واللبنانيين ما قال وأراد.
واليوم يقول اللبنانيون بصوت واحد تقريباً: دولة واحدة لا دولة ودويلات. ولكن لم يتحقق هذا المطلب الجماعي حتى الآن، ولا تزال الدويلات تعمل حالها ما معها خبر… ولا تود ان تأخذ علماً وخبراً بالدولة "الام" الواحدة.
وهذا الهدف، أو العنوان، أو التصرف من فئة معيَّنة، من شأنه أن يثير الهواجس والمخاوف عند الأكثرية اللبنانيَّة التي لا خيار لها سوى خيار الدولة، ولا مشروع لديها سوى مشروع الدولة، ولا أمان عندها إلا بعودة الدولة وزوال الدويلات.
هنا يبرز سؤال الاعتدال، ودوره، وموعده، والى متى يظل لبنان رهين العنف والاضطرابات والارهاب والتهويل والتهديد بقوة السلاح وقوة العديد والعدة؟
والتصعيد المفاجئ "المدبَّر" ضد رئيس الجمهورية يندرج بدوره في هذا السياق، مثلما يندرج وبقوة في خانة الانتخابات التي سيكون لبنان بعد نتائجها مختلفاً كليّاً عما هو الآن، وأياً تكن النتائج، وأياً يكن الفائزون.