قتلوه كما قتلوا كل شهداء ثورة الأرز منذ 14 شباط 2005، تفجيرا حمّلوه كل حقدهم، وموّهوه بالحوار. الجريمة نفسها والقاتل نفسه. هو من يهدد بقطع الأيدي والرؤوس، وهو من حذّر قوى 14 آذار قائلا “ما تلعبوا معنا”، ومن هدد أيضا بقوله “ما تجرّبونا”. “شَطَحَ” كثيراً “حزب الله” بمواربته وخداعه، حتى باتت عبارة “مش فاضيينلكن” تعني أن الحزب متفرّغ تماما لتصفية شخصيات قوى 14 آذار. يبثّ الحزب الفتنة الطائفية يوميا ويسأل قوى 14 آذار “هل تريدون الحرب؟”.
صَدَقَ عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد حين توعّد بـ “قطع الأيدي”، تماما كما حين صَدَقَ أحد زملائه وحلفائه في العام الماضي قبل اغتيال اللواء الشهيد وسام الحسن. الأخير تفحّم أما شهيد اليوم فقطعوا يده.. نجحوا. فهل ارتاحوا؟ من هو الهدف التالي؟ وكم ستطول لائحة “القدّيسين”؟
محمد شطح، ابن طرابلس و”غصن” قوى 14 آذار، لم يحمل سلاحا ولا هدّد طرفا. هل يستحقّ الموت تفجيرا بينما المعتدون على أهل طرابلس وبيروت والجبل المعتدلون، وقتلة الشعب السوري هاربون من وجه العدالة يحميهم نظام مجرم وأعوانه يفتحون لهم حدود لبنان على سوريا للإفلات من العدالة والقانون.. هل يستحق الرجل الخلوق والنشيط والدائم الحركة والمنشغل دوما بأمور الوطن هذا الاغتيال.. ولأي ذنب ارتكبه؟
قتلوا محمد شطح في منطقة أمنية حساسة قرب منزل رئيس الحكومة المستقيل نجيب ميقاتي وعلى بعد أمتار من منزل الرئيس سعد الحريري في بيت الوسط، في مكان قريب من السرايا الحكومية، وقبل أسبوعين تقريبا من افتتاح المحكمة الدولية الخاصة بلبنان جلساتها. كان الوزير الشهيد سيناقش أمور مدينته الصغيرة في اجتماع مصغّر لبعض شخصيات قوى 14 آذار، فبات حدثا أكبر من طرابلس ومن لبنان. كيف لا.. وقد جاء استشهاده رسالة في مختلف الإتّجاهات، أوّلها للرئيس سعد الحريري وتاليها الى رئيس الجمهورية الذي يسعى الى تشكيل حكومة ورسالة لضرب الإجتماع الاسلامي- المسيحي السياسي الوطني الذي كان سيناقش أمور طرابلس.
محمد شطح بوجهه البشوش وسماته السموحة، كان يعوق سياسة “حزب الله” كتابة وتعبيرا ووطنية. فقد غرّد على حسابه على “تويتر” قبل خروجه من منزله صباح أمس متوجّها الى مكتبه في بيت الوسط: “حزب الله يهول ويضغط ليصل الى ما كان النظام السوري قد فرضه لمدة 15 عاماً: تخلي الدولة له عن دورها وقرارها السيادي في الأمن والسياسة الخارجية”. خرج من منزله ليلاقي رفاقه الشهداء في قوى 14 آذار، هو مثلهم لم يرتكب جرما سوى أنه واجه بالكلمة والموقف “حزب الله” الذي أدخل لبنان في دوامة التكفير والاغتيال عندما فتح حدود لبنان على سوريا. لم يكن الشهيد محمد شطح “عميلا أميركيا” كما وصفه أحد الممانعين في مقابلة له العام الماضي، فقد كان شطح صديقا للصحافيين، مقرّبا من أبناء مدينته طرابلس ومجبولا بطيبة ناسها.
قتلوا محمد شطح لأنه رمز الإعتدال الذي يرفضه كل من يرفض حكومة الإعتدال، وهو نفسه مَن يقتل الإعتدال ليجنح لبنان نحو التطرّف وهو السبيل الوحيد الذي يبرر فيه “حزب الله” وجوده. في تحليلاته كان يعلم شطح أن هدف “حزب الله” هو القضاء على السنّة المعتدلين، لذا لم يوفّر مناسبة إلا وشرح فيها ما يمثّله تيار “المستقبل” من اعتدال، فكان يقول “البعض حين يتكلم عن الأحزاب الإسلامية، يعني بها الحركات السنية في لبنان”، ويتابع “معظم الإسلاميين في لبنان ليسوا جهاديين، فهم قلة قليلة جدا ومرفوضة في لبنان وفي أماكن ثانية”.
لطالما وقف الشهيد محمد شطح موقف الرجل الراقي الآدمي الخائف على مستقبل لبنان والمحافظ على ثورة الأرز. لم تَرُق له مواقف كثيرة اتّخذها وزراء “حزب الله” في الحكومة المستقيلة، خصوصا التصريح الذي أدلى به وزير الخارجية أمام جامعة الدول العربية في آذار الماضي حول مقعد النظام السوري في الجامعة، ووصف شطح موقفه بأنه “لا يمثل اللبنانيين ولا الدولة”. كان فقط ينحاز الى من يريدون العبور الى الدولة، الى من يشبهونه، الى الرئيس سعد الحريري الذي خسر والده اغتيالا لرفضه ربط لبنان بالنظام السوري، ورئيس حزب “القوات اللبنانية” الذي تعرّض لمحاولة اغتيال لمواجهته أعداء الإعتدال.. غريب أن تتعرّض قيادات قوى 14 آذار فقط للاغتيال، وغريب أمر المهدّدين والمتوعّدين والمستنكرين بعد كل اغتيال!
وفي آخر موقف إعلامي سجّله، اعتبر شطح أن “مهمّتنا الكبرى هي تحييد لبنان وحمايته مما يحصل في سوريا”. أراد شطح كل الخير للبنان واللبنانيين، فمن منهم تمنّى له كل هذا الشرّ وهو لم يرتكب جرما ولا حمل سلاحا ولا قتل ولا هدد ولا توعّد؟ لم يكن يعلم شطح أن تهديد “حزب الله” لقوى 14 آذار مؤخرا سيتحقّق وستكون بيروت مسرح التنفيذ وديبلوماسيته الهدف، فهو لطالما دافع عن رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة الذي كان يستهدفه “حزب الله” بتهديداته. هذه المرة كان من الصعب على نظرته الثاقبة تحديد الهدف، التهديدات طالت كما العادة قوى 14 آذار أما المستهدف فواحد: محمد شطح.
منذ عام ونصف العام، تحدث الوزير الشهيد عن قوى 14 آذار، الحاضرة فيه روحا ونضالا، تحدث عن أهدافها “الموجودة في عقول الناس” وقال بأنها “أوسع مما يتخيّله البعض”. حينها أعلن مدّ اليد الى “شركائنا في الوطن تحت سقف الدستور والقانون”. محمد شطح مدّ يده فمن قطعها؟
2aan al2awan 3ala altaa2ifa alshii3iya allbnaaniya fi al2ikhtiyaar bayn almawaaqef alwataniya w dawlat alqaanoun, aw al3amaala l2iraan wal 7arb al2ahliya.