فبين تعجيل علامات الظهور بالوسائط الاصطناعية، وبين الاستغناء عن تراكم تاريخي وحضاريّ عمره أربعة عشر قرناً للعودة الفولكلورية المستحيلة إلى لحظته الأولى، يفيض الظلام على هذه المنطقة من العالم، وتتأجّج الفتن المذهبية بكل المفاعيل الرجعية الممكنة. يكون الأمر ثانياً بالتفريق بين هذين النمطين من التطرّف.
فالشبكات والحركات التي تنسب إإلى “أممية القاعدة” لم ينجح أو يعمل أي منها كي تكون له حيثية “وطنية”، لا في العراق ولا في اليمن ولا في مالي، في حين أن الذراع الخارجية لـ”حزب الله” لا تلغي أنه يتحرّك أساساً في إقليم وطنيّ بعينه، هو لبنان، لكن المفارقة أن ذلك يجعله يحاول الهيمنة فئوياً على الطوائف الأخرى مع التعريض بأي معطى كيانيّ لبناني جدي.
وفي المقابل، مهما كانت الصلات الاستخبارية لهذا النظام أو ذاك بالحركات “السلفية الجهادية”، إلا أنه ليس هناك أي عاصمة في العالم يمكن أن يتمّ التوجّه إليها كوليّة أمر هذه الحركات، وهذا بخلاف “حزب الله” المرتبط أيديولوجياً وعضوياً بالولي الفقيه الإيراني والحرس الثوري.
وعلى المستوى الأيديولوجي، “حزب الله” ينتمي إلى فكر الإمام الخميني الذي لم يقل بـ”الإمارة” وإنما بـ”الجمهورية”، والذي اعتنق، بل قدّس مفهوم “الثورة” نفسه، وهو المفهوم الذي لم يكن له في القاموس السياسي العربي ما قبل الحديث ما يفرّقه عن “الفتنة”.
وبهذا المعنى، نعم “حزب الله” أكثر حداثية من الحركات السلفية الجهادية، ومتأثر برذاذ اللينينية والفاشية ككل حركات التحرر الوطني في العالم الثالث، إنما الميل الفاشي فيه غلاب: نظراً إلى توفر الزعيم المبجّل، حسن نصر الله، وتبجيل السلاح، ومنطق التعبئة الدائمة، و”القديسين” المحجوبين عن المحكمة الدولية.
في المقابل، من حيث نمط نشأتها، وتكاثرها، وإبادتها ثم إعادة تكاثرها، تنتمي زعانف “تنظيم القاعدة” إلى ديناميات “ما بعد الحداثة”: شبكات عابرة للأوطان، وتكفر بالمراكمة السياسية.
ثالثاً، وهذا ما يعنينا بشكل رئيسي عملياً اليوم، تصير المواجهة مع التطرّفين ممكنة إذا ما شخّصنا جيداً الحيلة التي يعتمدها كل واحد منهما ضد البيئات والتيارات التي تقرّ بالتعدّدية الدينية والثقافية من دون “تكفير الآخر” ولا “تنجيسه” (والتنجيس يكون بالتمييز بين “أشرف الناس” و”الأغيار” الأقل منزلة).
حيلة التطرّف من الجهة السنّية الترويج إلى أن المعركة يكسبها من يتعصّب أكثر لأبناء جلدته، بدلاً من حيوية الدور السنّي في إحياء الأنسجة الوطنية، والجلدة هنا تعني، ويا للمفارقة، المذهب. أما حيلة التطرّف من الجهة الشيعية فالترويج إلى أن السنّي المعتدل والسنّي المتطرّف وجهان لعملة “تكفيرية” واحدة، ومن ثم يصار إلى توسيع فئة “التكفيريين” لتشمل كل من يناقض “حزب الله” ومشروع الهيمنة الفئوية الذي يقوده في لبنان وتدخّله لتغليب فئوية نظام فاقع الفئوية ومحتضر ولو طال الأمد في سوريا.
فالمتطرّفون يتماثلون في إنكارهم لحيثية الاعتدال. “حزب الله” إذ يدلّس على الاعتدال ويجعله تطرّفاً، فيحسب نفسه تنويراً. و”القاعدة” ومشتقاتها إذ تعتبر الاعتدال نفسه عقبة في طريقها.