#adsense

المحترق هو الإنسان المُعذّب بالجهل أما الأوراق فتُعوَّض…الأب سرّوج لـ”النهار”: عندي إحساس بالربح

حجم الخط

بسهولة تَجرُّؤ حارقي مكتبة “السائح” على تفحيم كتبها، كانت الاستنكارات وحملات الشجب. “عالجَ” المستنكرون فعل الاحتراق بالكلام عينه المُردَّد دائماً، فحلّت الجوانب الأخرى ثانياً.

ولكن ماذا عن حجم الخسائر وآلية التعويض؟ أصبحت عادة ان نرى الأسئلة المُلحّة تتراجع لمصلحة ظاهر الصورة التي تُظهِرُ ان همَّ الناس، وبعض المنشغلين بالحدث، التصدّي لمقولة “العيش المشترك” و”لبنان الحضارة”. كُتب ومخطوطات نادرة تحولت رماداً، وإرثنا الثقافي يُهدَّد. نحاول الوقوف مجدداً على الكارثة، فنسأل وزير الثقافة في حكومة تصريف الأعمال غابي ليون عن مسؤوليات وزارته، وعن دور “جمعية المكتبات الوطنية”، ومساعي المجتمع المدني لإعادة التأهيل، وفلسفة الأب ابرهيم سروج في النظرة الى الخسارة.

ظل ليون على اتصال بالأب سروج منذ الحادثة، وحمل اليه أمس ما يزيد على 1000 كتاب تقدّمها الوزارة. يُخبر “النهار” ان إرادة الأب قوية، وانه لم يتوقّع تعالياً على الألم كما الحال معه. بعيداً من الاستنكار والعواطف، أين الوزارة مما جرى؟ “الى الكتب المُقدَّمة، سنضغ خبرات فريق عمل من خارج الوزارة، ضمن مشروع النهوض بالمكتبة الوطنية، دوره المساعدة في اعادة تأهيل ما يمكن تأهيله. حجم الأضرار لم يُحصَ بعد، لكننا سنبدأ العمل وفق الإمكانات المُتاحة”. يلفت ليون الى ان مسؤولية الوزارة لا تشمل المبنى التراثي الذي تقوم عليه المكتبة (تضرر أيضاً)، “هنا دور الهيئة العليا للاغاثة، فالمباني التراثية الخاصة، إن تضررت، لا تفيد من أموال الوزارة”.

يشدد ليون على “تصدّي الوزارة لكل ما يخلّ بالشأن الثقافي”، ويُتابع: “ينبغي محاسبة من أحرقوا المكتبة”.

قام من بين الأموات

متعالٍ على الجرح، هو الأب سروج، فما جرى “درسٌ في امتحان النفس”. يؤكد لـ”النهار” انه لم يحصِ خسائره، ولم يعنه ان يعرف أنواع الكتب التي احترقت من تلك المتضررة جزئياً. “هذا ليس همّاً على الاطلاق”. الرجل المُشبّع بالمسيحية يقول: “ما عندي احساس بالخسارة. عندي إحساس بالربح”. كلامه على القيامة والقياميين يجعل السؤال عن الماديات أقل أهمية. يُذكِّر بأن المسيح قام من بين الأموات، وبـ”عظمة الربّ الذي يُحيي العظام وهي رميم، فكيف ننهار عند أول مفترق؟ المحترق هو الإنسان المُعذّب بالجهل، أما الأوراق فتُعوَّض”.

كلام الأب سروج يُظهره متجاوزاً المصائب الى الحكمة من حلولها، فيُخبرنا عن سعادته بحبّ الناس والالتفاف الهائل حوله. نسأله إن كان الأمر “مسايرة” الواقع بحكم الظرف الصعب، ففي القلب، لا بدّ، ألمٌ مخفي، وربما عتب أو خيبة. يقول: “لا. انها الحقيقة”، شاكراً من ساعده ومن لم تسمح إمكاناته بالمساعدة.

آلية علاج الكتب عند الحريق

الجانب التقني في حال وقوع حريق في مكتبة، نبحثه مع عضو “جمعية المكتبات الوطنية” أحمد طارق. بدا، قبل حديثنا معه، ان التحرّك تجاه حريق المكتبة في اعتباره “كارثة ثقافية” خجول. يتكرر المُبرر: “إن الإمكانات محدودة”. “جمعية المكتبات” ظلّت في مكانها، أعضاؤها في مكاتبهم، فلم يستدعِ الوضع الدعوة الى اجتماع طارئ. نناقش مع طارق الشقّ النظري: كيف ينبغي التصرّف حيال وضع الكتب المُحترقة، وكيف يكون احصاء الخسائر؟

“يتطلّب الأمر وجود فهرست يوثّق ترتيب الكتب ألفبائياً، فيُقارَن عبره، إن سلُمَ من الحريق، تلك الموجودة من التي لم يبقَ لها أثر. هذا نوع من “الجردة” التي تسمح بمعرفة ما فُقِد، واعادة شرائه إن كانت نُسخه متوافرة. وفي حال المخطوطات والكتب النادرة، فتلك خسارة لا تُعوَّض”. و”جمعية المكتبات”؟ هل قدّمت ما يُساعد في إعادة الفهرسة وتفقّد الكتب الموجودة من تلك المحترقة كلياً؟ “في الواقع لا. للمكتبة الوطنية فريقُ عمل متواضع، تشغله حالياً إعادة فهرسة نحو 250 ألف كتاب تحضيراً لانتقال المكتبة الى مبنى جديد”.

عناصر الدرك قصّرت!

قبل التطور التكنولوجي، كان الاعتماد على الفهرست اليدوي، فيما الكومبيوتر اليوم يحفظ المعلومات كلها. التهمت النار، الى أعداد من الكتب والجدران وأسلاك الكهرباء، جهاز الكومبيوتر المُتضمِّن سجلاً بمحتويات المكتبة. يُخبرنا الموظف السابق في المكتبة زكي ديب، والقريب من الأب سروج، ان احتراق الكومبيوتر لم يؤثر في المعلومات المحفوظة في “الهارد ديسك”، وسيجري العمل على تفريغها. يُفضّل عدم الدخول في الأرقام، متبنياً رؤية الأب سروج: “الخسارة طريقٌ الى البركات”. محزنٌ ان نعلم ان الحريق قضى على مخطوطات فاق عمرها الـ500 سنة. نتحدث وإياه بينما الأب سروج يصغي، فنجده يُذكّر، بإيحاء منه، ان “المسيح فدى البشرية بجسده، فكيف يكون بعض الأوراق سبباً لآلامنا؟”.

يعمل ديب، الى شبان في المجتمع المدني ومتطوّعين من جمعيات عدّة، منها “فرح العطاء” على اعادة الحياة الى مكان أُريد طمسه: “سنبدأ بنقل الكتب الناجية الى مستودعات حتى نعيد الترميم”. نسأله إن لمح أحدهم في المعنيين تقاعساً أو تقصيراً، وكالأب سروج يجيب “لا”، لكنه يضيف: “حصل تقصير قبل الحريق، إذ جيء بعناصر من الدرك لحراسة المكتبة لكونها تعرّضت قبل ليلة من الحادثة لإطلاق نار على أحد موظفيها من ملثمين. كان المُفترض ان تمكث أمامها أياماً، لكنها تقاعست عن وظيفتها، تاركة نقطة الحراسة قبل اندلاع الحريق، مما سهّل على مفتعليه تحقيق مآربهم”. والتحقيقات جارية لمعرفة الأسباب التي دفعتهم الى هذا التصرّف، وإن كان من جهات أملت عليهم الابتعاد من المكتبة تمهيداً لحرقها.

المصدر:
النهار

خبر عاجل