ألقى منسق الأمانة العامة لقوى 14 آذار الدكتور فارس سعيد كلمة جاء فيها:
بعد أقل من ست ساعات على اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 شباط 2005، اجتمعت قوى المعارضة اللبنانية للوجود السوري في لبنان في دارة الرئيس الشهيد، في قريطم، وأصدرت بياناً طالب بانسحاب الجيش السوري من لبنان، وبتأليف لجنة تحقيق دولية لكشف ملابسات الجريمة، وبالإضراب حتى تحقيق المطالب.
هذه السابقة في تاريخ لبنان المعاصر وتاريخ المنطقة ستفتح الباب واسعاً أمام دخول مفهوم العدالة الدولية في حياتنا الوطنية، حتى بتنا نسمع اليوم بمحكمة الجنايات الدولية في ليبيا، ومحكمة دولية لمحاكمة جرائم ضدّ الإنسانية في سوريا، وغيرها من أشكال العدالة الدولية.
هي سابقة؟ نعم. لأنه قبل اغتيال الرئيس الحريري وقبل استجابة المجتمع الدولي لمطلبنا، بتعيين لجنة تقصّي حقائق ومن ثم تأليف لجنة تحقيق وصولاً إلى قيام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان تحت الفصل السابع، قبل ذلك، كانت المحاكمات السياسية والجزائية وربما حتى الروتينية في لبنان خاضعة لاستنسابية سياسية واضحة. وقد تكون محاكمة الدكتور سمير جعجع خيرَ دليلٍ على ذلك.
إن مفهوم العدالة قد يكون جديداً في حياتنا الوطنية، لأنه في الحقبة التي سبقت إنتفاضة اللبنانيين وإصرارهم على تثبيت مفهوم العدالة بمؤازرة خارجية لم تعرف هذه المنطقة عدالة إلا عدالة السماء. ففي منطقتنا هذه يَقتلون، ويتقاتلون، وتقوم أنظمة بإخفاء قسري للبشر وتقتُل في سجون التعذيب وفي غرف الإستجواب الوحشي بدون رقيبٍ أو حسيب.
ولقد حاول النظام السوري، خلال مرحلة وضع اليد على لبنان، تعميم هذه الثقافة على الداخل اللبناني من خلال التلاعب بمحاضر الضابطات العدلية، ومن ثم في إجبار القضاء على إصدار أحكام لا تتناسب مع الحقيقة ، وإرهاب الناس كل الناس بوسائل غير عادلة.
ونعتبر أنه إذا كشفت الحقيقة لمرة واحدة وطبّقت العدالة ولو لمرة واحدة فإنها – أي العدالة، ستكون قابلة للتطبيق في كل مرة.
من هنا تمسّكنا بالعدالة بما تمثّل من مفهوم ثقافي وحضاري عميق لوضع حدّ للنزاعات، أكانت من طبيعة فردية أو سياسية أو وطنية.
خلال الحرب الأهلية اللبنانية انقسم اللبنانيون مسلمين ومسيحيين، وكان هناك شعور عبّرت عنه الحرب في كلٍ من الفريقين وهو أن المسيحيين يتعلّقون بمفهوم الحرية بينما يعطي المسلمون الألوية لمفهوم العدالة. وانتهت الحرب الأهلية على تسوية بين الحرية التي تمثّلت باعتراف الجميع بنهائية الكيان اللبناني والعدالة المتمثّلة بتوزيع عادل للصلاحيات الدستورية.
إن العدالة التي هي مطلبنا اليوم، والتي ينطلق قطارها يوم الخميس في 16-1-2014، تفتح المجال أمام المصالحة والمسامحة بعيداً عن تصفية الحسابات.
فلا مصالحة ولا مسامحة بدون تطبيق العدالة والوصول إلى حقيقة ما حدث في ذلك التاريخ المشؤوم، والذي سبقه محاولة اغتيال الوزير مروان حماده ولحِقَتهُ قافلة من شهداء لبنان وصولاً إلى الوزير محمد شطح.
لا مصالحة ولا مسامحة إلا إذا قامت العدالة بدورها في بلسمة جراح لبنان كل لبنان وكل عائلات الشهداء.
ولأننا نؤكّد إصرارنا على المصالحة التي من دونها لا مستقبل للبنان،
ولأننا نصرّ على توجّهنا نحو المسامحة التي هي في صلب قناعاتنا الثقافية،
نطالب بتطبيق العدالة كمدخل إجباري ووحيد لاستقرار مجتمعنا ومجتمعات المنطقة.