اللاجمهورية
عندما يستهجن الرئيس حسين الحسيني الكلام الملغوم عن الجمهورية الثالثة فيما لا نزال نتلمَّس طيف الجمهورية الاولى وكأنها حلم ليلة صيف، إنما يكون في صدد التنبيه الى المهمة التأسيسيَّة التي تنتظر مجلس النواب الجديد العتيد.
أو "المجلس الاول" الذي ستُلقى على كتفيه تبعات اعادة بناء الدولة، واطلاق صوت الوطن الرسالة بين هذه الشعوب والقبائل الدائمة النزاع والنزال والحوْربة.
كلام عن الجمهوريَّة لا ليسمع العالم ما عندنا وما بنا، بل ليصغي اللبنانيون، وليعدّوا للمئة قبل ان يدوّنوا على الورقة الصغيرة اسماء مرشحيهم، وليعدّوا للألف وهم يراجعون ضمائرهم وأفكارهم قبل القاء الورقة داخل صندوق الاقتراع.
من هنا هذا الربط وهذا الدمج بين الانتخابات التي تختتم الأحد المقبل مشوارها والجمهورية التي لم تطأ أرض لبنان واقعاً.
وفي الأصل والأساس لم يبن اللبنانيون جمهورية.
ولم يؤسٍّسوا دولة.
ولم ينصهروا في صيغة نهائية للعيش المشترك، ولم ينتموا فعلاً وحقاً الى لبنان واحد، ووطن واحد، ودولة واحدة.
وأطلال الجمهورية، الى أطلال الوطن، الى أطلال الدولة، الى أطلال النظام الديموقراطي، الى أطلال المؤسّسات والادارات التي ورثناها عن الانتداب الفرنسي، تكفّلت حروب قايين وهابيل وتناحرهما الدائم على الكراسي والمناصب والمكاسب تدميرها وبعثرتها، وجعلها مجرد أسم على غير مسمَّى.
لا، لم تكن لنا جمهورية أولى أو ثانية. والحق هنا مع الرئيس الحسيني عندما يستغرب هذا الكلام المرتجل المتسٍّرع والركيك عن الجمهورية الثالثة، أو جمهورية المثالثة، أو جمهوريَّة أفلاطون لبنان الذي بالكاد يهمه من الجمهورية والدولة أكثر من امتطاء كرسي الرئاسة، أو موقع الوجاهة الاول بين ابناء قبيلته.
الآن سنبدأ من الصفر، اذا كنا سنبدأ، واذا كان المتضرّرون المحليّون والاقليميّون سيدعوننا نفعل. وقد يكون ذلك من رابع المستحيلات.
ترك الفرنسيون بلد الفسيفساء، أو الموازييك، أو التعددّية، أو بلد الطوائف التي لم تحاول طوال ثلاثة أرباع القرن الاتفاق على الحدود الدنيا من مقتضيات ومتطلبات الجمهورية والدولة والوطن، وفي اعتقادهم ان اللبنانييّن سيكملون الطريق.
والوقائع ماثلة الآن على السطوح، وعلى جوانب الطرق، وعلى شاشات التلفزة، وعلى صفحات الجرائد. وكلُّها تشهد ان لبنان لم يتعرَّف، واقعياً، على النموذج الجمهوري وفق الاسس التي وضعها لنا الفرنسيون والتي ينص عليها النظام الديموقراطي البرلماني.
وحده الرئيس فؤاد شهاب، وهذه الشهادة للتاريخ وللانصاف، حاول أن يبني جمهورية على مقاس لبنان، ووفقاً لتنوع المقيمين على جغرافيته، وحاملي الهوية اللبنانية منذ أكثر من عشر سنين.
حاول جاداً، وباخلاص. واستعان بخبراء من لدن الام الحنون. واختار خلاصة الأوادم وأصحاب الكفايات. واستحدث المؤسسات التي بامكانها نقل هذه الغابة اللبنانية من حمى الفوضى والتسيُّب والفساد الى إطار القوانين والأنظمة والنصوص، وتحت مظلة مثلثة الاضلاع: النظافة، الثواب، العقاب.
لكن هجمة الأجهزة الأمنية والعسكرة حطَّمتا كل ما بناه الحلم الشهابي، وما تبقى أتت عليه حروب الأوغاد وشذّاذ الآفاق والمرتزقة وكل انواع الخارجين عن القانون.
خلاصة القول إن لا جمهورية أولى ولا ثانية، ليطالب "بعضهم" أو "احدهم" بثالثة. ولا أثر لأية جمهورية مرّت من هنا.
هذه الانتخابات التي يُتوقع ان تتمكنَّ ارادة اللبنانيين من جعلها "تأسيسيّة"، ومؤهَّلة للاتجاه بلبنان نحو الدولة والجمهوريَّة، نحن على موعد معها يوم الأحد المقبل.
فإما أن تأخذ بيدنا الى حيث يقيم حلم فؤاد شهاب، وإما ان تقودنا الى حيث القت رحلها أمُّ قشعم…