وهناك من يخجل ماضيه وحاضره من أفعاله
لفتتني تلك اللوحات الانتخابية المنتشرة على الطرق العامة وبينها تلك التتي تحمل شعار "وهناك من يخجل ماضيه من حاضره" لحركة التغيير، لكن بالإذن من الحركة ورئيسها ايلي محفوض، كان لا بد من تصحيح هذا الشعار واستبداله ب"وهناك من يخجل ماضيه وحاضره من أفعاله"، والمقصود حتماً النائب ميشال عون. لقد تجاوز هذا الرجل كل المبادئ الاخلاقية والمعايير السياسية المنطقية، وعاد إلى خطابه "الخشبي" الذي اعتمده عام 1988 من دون ايّ بصيرة أو أدنى شعور بالمسؤولية أو حتى نضج سياسي بدليل الخسائر التي مني بها المسيحيون منذ بدء تعاطيه في الشأن العام.
والأنكى من ذلك، انه في كل مرة كان يشعر ميشال عون بضرورة تجييش جماهيريه واستنهاض مؤيديه، يبدأ برمي سهامه على "القوات اللبنانية" أو اثارة الغرائز والمشاعر المذهبية ضد "تيار المستقبل" في محاولة فاشلة لوضعه في دائرة الشبهات كتيار سني يخفي أطماعا للسيطرة على الوطن وتجييره لمصلحة المملكة العربية السعودية!
هكذا اعتاد ميشال عون ان يكون اداة. انه الدور الذي خلق من أجله، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: كيف يجرؤ من خان الثوابت المسيحية وتمادى في الاساءة إلى بكركي ورهن نفسه للمحور السوري- الايراني الغريب العجيب الذي لا يمت بصلة إلى الحضارة اللبنانية، أن يتهجّم على "القوات اللبنانية" التي تشكّل صمام الأمان لردع عملية نحر المسيحيين على يد عون؟ وكيف يجرؤ صاحب "السوابق" التخريبية و"اليوضاسية" على نبش الماضي وهو من اثبت ان ماضيه وحاضره يخجلان فعلاً من افعاله! كيف؟ لا بد من العودة إلى بدايات الرجل السلطوية منذ عام 1988 وحتى اليوم لأن سيرته الذاتية مرعبة بل ملطّخة بالدماء والأوجاع والاستخفاف بعقول الناس عبر اللجوء إلى الأكاذيب والافراط بالتضليل إلى أبعد حدّ وانقلاباته هلى نفسه ومبادئه مرات ومرات حتى الثمالة!
وكي لا نبقى في اطار التوصيف لنفتح صفحة سيرته الذاتية بدءاً من حرب التحرير، لأنه اذا كان لا بد من محاكمة فهي لا تجوز سوى لميشال عون الذي تلازم اسمه مع الخراب والدمار والقتل والغاء الآخر والهروب.
في الأمس كما اليوم، أطل علينا "الجنرال" عام 1988 حين كانت "القوات اللبنانية" ممسكة بزمام الأمور في المنطقة الشرقية ومكوّنة قوة دفاعية ذاتية ومتقدمة على سائر التنظيمات العسكرية الأخرى في لبنان، وكانت تحافظ على توازن قوى في مواجهة الجيش السوري والقوى المحلية المتحالفة معه ضمن الخطوط الحمر المرسومة دولياً. الاّ ان العماد الذي وعد "القوات" بالمحافظة على حدّ أدنى من التنسيق والتفاهم بدأ عام 1989 حرباً غير محسوبة النتائج على الجيش السوري مطلقاً عليها عنوان "حرب التحرير"، فارضاً على "القوات" من دون حتى استشارة بسيطة، مواجهة غير منطقية، أدت إلى حصار "الشرقية" طوال أشهر وسقوط مئات الشهداء. والمضحك المبكي ان الجنرال كان يهدد بهزّ المسمار السوري وقصف الشام وتكسير رأس حافظ الأسد. في المقابل كانت القذائف الصاروخية تنهمر بالمئات، لا بل بالأطنان، على رؤوس المواطنين المسيحيين العزل بذريعة قدّمها لهم عون.
ومن يزعم انه بريء من دماء اللبنانيين أمطر بيروت الغربية بالصواريخ بحجة استهداف مواقع الجيش السوري فإرتكب مجزرة الاونيسكو في 14 آذار 1989، وهجّر السكان الآمنين وبعثرهم في الشمال والجنوب بعد ان قصف بيوتهم وارزاقهم.
وكان الفشل الذريع والثمن الباهظ بعد مقتل ما يزيد عن ألف شخص وتهجير عشرات الآلاف من المسيحيين، وقدّرت الخسائر بمليارات الدولارات في الاقتصاد والبنى التحتية مقابل عدم تحرير شبر واحد من الأراضي اللبنانية. وكانت النتيجة عكسيّة وهي زجّ الجيش الوطني القوي نسبياً في حرب منهكة مع جيش يفوقه عدداً وعدة، وفي معركة لم تجر فيها هجمات "تحريرية" بل اقتصرت على القصف المدمّر. ورغم الهزيمة الكبيرة والنتائج الكارثيّة لم يعترف بإخفاقه بل بقي مستمراً بعنجهيته!
راح الناس يتساءلون: على ماذا يعتمد ميشال عون؟ واقعياً، لم يتلق سوى دعم ياسر عرفات وصدام حسين من أسلحة وذخائر! ألم يكن ذلك دليلاً على غياب ايّ نضج سياسي بسبب عدم استيعابه تطوّر الظروف الدولية وتمسّكه بأوراق خاسرة اقليمياً، كما يفعل اليوم باعتماده على سوريا وايران؟!
أمام هذا الإخفاق العظيم، وفي محاولة طمس آثار "التحرير" التدميرية، استدار "الجنرال" المضلل 180 درجة ليصوّب مدافعه على القوة المسيحية الحليفة في منطقته، مع كل ما ترتب على هذه المواجهة من أخطار وكوارث. وحقيقة الأمر ان عون لم يكن في عمقه عدوّاً لسوريا، فهو خاض حرب الإلغاء بمعونتها، علماً انه يرفع شعار "التغيير" وهو ليس سوى الوجه الآخر لتقلباته وانقلابه على الثوابت كل فترة على نحو يصون مصالحه ويرضي تعطّشه للسلطة ولتحقيق حلمه الوردي بالوصول إلى قصر بعبدا. هذا ما حصل فعلاً عندما أخذ السوريون يزودون عون عبر عملائهم بكل ما يحتاجه من ذخائر ووقود بهدف القضاء على "القوات اللبنانية" تحت شعار انه لا يجوز بقاء سلاح غير سلاح الجيش اللبناني وسلطة الدولة التي كان يمثّلها رغم عدم اعتراف من نصف اللبنانيين به. في حين بدّل "الجنرال المضلّل" هذا المفهوم بعد مرور 17 عاماً، فأصبح مقتنعاً ببقاء سلاح "حزب الله" في ظلّ وجود الجيش بل أصبح المدافع الأول عن هذا السلاح بعدما كان يضيق ذرعاً بسلاح "القوات" رغم ضرورة استمراره في تلك المرحلة!
نفّذ ميشال عون ما هو مطلوب منه ودخل في حرب عبثية مع "القوات" كانت، ويا للأسف، معروفة النتائج، مقدماً خدمة لا تقدّر بثمن للنظام السوري بغية القضاء على سمير جعجع، الذي كان يعتبر السوريين الخصم الأخطر على وجودهم ورمز الصمود والممانعة في وجه سياسته واحتلاله للبنان.
هكذا دمّر المنطقة المسيحية التي استعصى دخولها على الفلسطينيين ثم السوريين وجعلها مهيأة لإجتياح سوري بسبب الوهن الذي حلّ بها عسكرياً واقتصادياً واجتماعياً, وكان هذا الاخفاق الثاني ل"جنرال الخيبة".
أما السقوط الثالث والأكثر اثارة للتساؤلات، فهي عملية 13 تشرين 1990 التي لا يستطيع عون ان يهرب فيها من حكم التاريخ. فبعد توصّل النواب اللبنانيين إلى اتفاق الطائف برعاية سعودية وسورية واميركية ودولية عموماً، بقي ميشال عون وحده معارضاً، منكّلاً بالنواب، مشهّراً، متمرداً، غاضباً، معتبراً نفسه، على نحو مزوّر، انه حامل راية النضال ضد دول العالم المتآمرة عليه. تلك النبرة لم تكن سوى انعكاسات لتخبّطه بفوضى نفسيّة وخوف من نتائج حروبه الانتحارية العبثية التي أدت إلى معركة 13 تشرين الأول 1990 بعدما عرف مسبقاً ان ثمة قراراً دولياً بضرورة تمرير اتفاق الطائف وانهاء حالة التمرد. هنا ارتكب الجريمة الثالثة المدوية عندما عرّض الوية الجيش اللبناني العاملة تحت أمرته لمواجهة غير متكافئة تدخّل فيها الطيران الحربي السوري، فسقط عشرات بل مئات الضحايا وتمّ ادخال العشرات من عناصر الجيش والمناضلين الشرفاء إلى السجون السورية ولا يزال الكثير منهم حتى اليوم قابعين في أقبيتها.
أما الجنرال الساحر بمكره فلم يتوان عن زيارة النظام السوري بعد مرور أعوام، ولم يكلّف نفسه عندما زار سوريا مؤخراً باستعادة بعض الأسرى الذين قاتلوا عنه حتى الاستبسال. أما هو فإختار الهروب إلى السفارة الفرنسية مروّجاً لمزحة لا تصدّق بأنه تعرّض لخديعة بعدما كان تنطّح وأطلق وعداً لم يكن صادقاً بتاتاً، بأنه لن يترك قصر بعبدا الاّ شهيداً! كان ميشال عون حقاً حصان طروادة لدخول الجيش السوري ومخابراته إلى المنطقة الشرقية.
بعد السقوط الثالث، انزوى عون في منفاه الباريسي ممنوعاً من الكلام السياسي. أما قائد "القوات اللبنانية" فتحمّل وحده كزعيم وزر الاضطهادات والظلم نتيجة عدم تخليه عن المسيحيين، فدفع الثمن أسراً وقهراً لمدة 11 عاماً. وثمة فرق كبير بين السجن والإقامة في العاصمة الفرنسيّة! بعد فترة سمح لعون بالتحرك سياسياً في فرنسا وراح يمارس دور البطل في حثّ الشبان المسيحيين إلى التمرد على الاحتلال السوري. في الميدان، اتّحد شباب "التيار العوني" و"القوات" في مواجهة الاحتلال، لكن المفارقة الغريبة انه لم يسقط شهداء الاّ من صفوف القواتيين، في حين كان يكتفي النظام الأمني اللبناني السوري بإعتقال شباب عون ومحاولة تأديبهم ثم الافراج عنهم، ربما كانت مجرّد صدفة الاّ ان القواتيين دفعوا الثمن الباهظ، ولا أحد يستطيع ان ينسى رمزي عيراني وبيار بولس وفوزي الراسي ونديم عبد النور وغيرهم.
لم يضح ميشال عون أكثر من سواه خلال 15 عاماً بل يستحق من بقي في لبنان خلال تلك الأيام المظلمة متحمّلاً المسؤولية ومحاولاً تسيير شؤون الناس ومجاهراً بكل جرأة وشجاعة عن مواقفه المناهضة للنظام السوري وتصرفاته في لبنان، كل تنويه وتكريم. وربما بات أمراً محسوماً بأن عون لعب دور المحرّض على التحرّر، فحاول تحقيق قانون "محاسبة سوريا" ودعم القرار 1559 وكل ما يؤدي إلى انهاء الاحتلال وحلّ الميليشيات وخصوصاً "حزب الله"، لكن المؤسف انه انطلق من حرصه على مصلحته الشخصية الفرديّة في تلك المرحلة، بدليل انقلابه على هذه المبادئ والقرارات بعد عودته إلى لبنان وتحالفه مع "حزب الله" ورموز سوريا في لبنان ومناهضته للمجتمع الدولي وتقوقعه في المحور السوري الايراني!
دوّخ عون الناس بمواقفه المتقلبة، فضرب قوى 14 آذار عبر تدبير عودته إلى لبنان مع السوريين ونسج تحالفات أخرى لا علاقة لها بثورة الأرز وادّعى انهم انقلبوا عليه ويحاولون منع عودته، في حين كان استشهاد الرئيس رفيق الحريري العامل الأساسي المحرّك لإخراج سوريا من لبنان، ولم يكن يكفي نضال شباب "التيار الوطني الحر" و"القوات" وحده ولا صوت الجنرال العالي وصراخه لتحقيق هذا الانجاز.
خاض المسيحيون حرباً طويلة وهم يحلمون بيوم يأتي فيه المسلمون ليقولوا "لبنان أولاً". عندما حصلت الأعجوبة وعادت الطائفتين السنية والدرزية إلى الصف السيادي، اتخذ ميشال عون موقفاً عدائياً حيالهما معتمداً استراتيجية التجييش المذهبي، واطلق مخيّلته من أجل تخويف المسيحيين من مشاريع استلائية سينفّذها السنّة بحقهم. أما الحقيقة التي كان يعرفها القاصي والداني وحاول عون طمسها هي وجود خطر وحيد على لبنان والمسيحيين هو سلاح "حزب الله" الذي بات عبئاً على الدولة اللبنانية بعد تحرير الجنوب والبقاع عام 2000.
وفي عام 2005، تصرّف ميشال عون بدهاء عشيّة الانتخابات النيابية لاعباً كالعادة دور الضحية ، مستفيداً من ظروف وتناقضات فأطلق سلسلة شعارات ديماغوجية، ورفع مستوى شروطه للإنضمام إلى تحالق قوى 14 آذار، وعندما فشلت المفاوضات، اتخذ موقفاً عدائياً حيال ما يسمى الحلف الرباعي، وتحالف مع أحد أطرافه في بعض المناطق ايّ "حزب الله". كذلك أطلق برنامجاً انتخابياً بعنوان "الطريق الآخر" سرعان ما انقلب عليه، فنال اكثرية النواب المسيحيين مستغلاً ابقاء قائد "القوات" سمير جعجع في السجن، ولاحقاً أرسى عون تفاهماً مع "حزب الله" ومنحه غطاء مسيحياً وأدخل البلد في صراع داخلي أثرّ على اقتصاده وتكوينه الاجتماعي طوال أربعة أعوام ايّ بين 2005 وحتى 2009. وكان ذلك التفاهم الخطيئة الكبرى.
نعترف لميشال عون انه لم يسبق لرجل ان شقّ المجتمع اللبناني كما فعل، الاّ انه أمر معيب بل سيحكي عنه التاريخ ولن يرحمه. وها هو اليوم يتابع رهانه على معادلة جديدة فاشلة ومحسومة النتائج وهي انضمامه إلى المحور الايراني السوري للوصول إلى السلطة، وهو المحور السائر، عاجلاً ام آجلاً، إلى السقوط لوقوفه في مواجهة الولايات المتحدة ودول القرار والمجتمع الدولي مما سيؤدي في النهاية إلى وضع المسيحيين، اذا فاز في الانتخابات النيابية وكرّس تفاهمه مع "حزب الله"، أمام مصير مجهول وربما يدفعون الثمن باهظاً بسبب رهان هستيريّ، لأن المجتمعات الغربية لن تتساهل بتاتاً مع أنطمة متطرفة تحاول امتلاك اسلحة نووية وهي معرضة لضربات عسكرية ستحجّمها مهما تعاظمت قوّتها.
أما شعار "الاصلاح والتغيير" فهو ليس سوى شعار فضفاض ماكر وخدّاع لإلهاء الناس بعدما أثبت خلال أربعة أعوام سواء كان مشاركاً في السلطة او معارضاً، انه لم يساهم بخطوة اصلاحية أو تغييرية واحدة، بل امتهن يومياً لغة التعطيل وحرق الدواليب وخلق الأكاذيب والدفاع المستميت عن حاملي مشروع "الدويلة". ولم يكن اداء وزراء "التيار الوطني الحر" مشجعاً عبر تسجيل مخالفات عديدة تستحق مقالاً خاصاً.
اذاً كيف يجرؤ من يعبق تاريخه بالدخان الأسود وتلوّث سجله بدماء الأبرياء، وتلاعب بمستقبل شعبه وأمنه لأجل غايات ومآرب شخصية، ان يتهجّم على "القوات اللبنانية" التي تبقى هي المقاومة الحقيقية بل أشرف وأنبل وأنقى بأضعاف من سجله القاتم والمظلم؟ ويبقى التاريخ عبرة لمن اعتبر.
